التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٤ - لرأي الحاسم
هدى للناس جميعا مع الأبد.
و بهذا الصدد يقول القاضي محمد بن الطيّب أبو بكر الباقلاني (توفي سنة ٤٠٣ ه) في كتابه «الانتصار»: و أمّا الكتابة فلم يفرض اللّه على الامّة فيها شيئا، إذ لم يأخذ على كتّاب القرآن و خطّاط المصاحف رسما بعينه دون غيره أوجبه عليهم و ترك ما عداه، إذ وجوب ذلك لا يدرك إلّا بالسمع و التوقيف.
و ليس في نصوص الكتاب و لا مفهومه، أن رسم القرآن و ضبطه لا يجوز إلّا على وجه مخصوص و حدّ محدود لا يجوز تجاوزه. و لا في نصّ السنة ما يوجب ذلك و يدلّ عليه. و لا في إجماع الامّة ما يوجب ذلك، و لا دلّت عليه القياسات الشرعيّة.
بل السنة دلّت على جواز رسمه بأي وجه سهل، لأنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كان يأمر برسمه و لم يبيّن لهم وجها معيّنا، و لا نهى أحدا عن كتابته، و لذلك اختلفت خطوط المصاحف فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ، و منهم من كان يزيد و ينقص لعلمه بأنّ ذلك اصطلاح و أنّ الناس لا يخفى عليهم الحال. و لأجل هذا بعينه جاز أن يكتب بالحروف الكوفية و الخطّ الأوّل، و أن يجعل اللام على صورة الكاف، و أن تعوج الألفات، و أن يكتب على غير هذه الوجوه، و جاز أن يكتب المصحف بالخطّ و الهجاء القديمين، و جاز أن يكتب بالخطوط و الهجاء المحدثة، و جاز أن يكتب بين ذلك.
و إذا كانت خطوط المصاحف و كثير من حروفها مختلفة متغايرة الصورة و كان الناس قد أجازوا ذلك، و أجازوا أن يكتب كلّ واحد منهم بما هو عادته، و ما هو أسهل و أشهر و أولى، من غير تأثيم و لا تناكر، علم أنّه لم يؤخذ في ذلك على الناس حدّ محدود مخصوص، كما اخذ عليهم في القراءة و الأذان.
و السبب في ذلك أنّ الخطوط إنّما هي علامات و رسوم تجري مجرى الإشارات و العقود و الرموز، فكلّ رسم دالّ على الكلمة مفيد لوجه قراءتها تجب صحته و تصويب الكاتب به على أي صورة كانت.