التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٤ - النبوة مقرونة بدلائل نيرة
النبوّة مقرونة بدلائل نيّرة:
يجب على اللّه- وجوبا منبعثا من مقام لطفه و رأفته بعباده- أن يقرن تنبيئه إنسانا بدلائل نيّرة لا تدع لمسارب الشكّ مجالا في نفسه، كما أرى إبراهيم ملكوت السماوات و الأرض، ليكون من الموقنين[١]. و كما «نُودِيَ يا مُوسى. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ»[٢] «يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»[٣] «يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ»[٤].
هذا هو مقتضى قاعدة اللطف، و قد بحث عنها علماء الكلام[٥]، و تتلخص في تمهيد سبيل الطاعة. فواجب عليه تعالى أنّ يمهّد لعباده جميع ما يقرّبهم الى الطاعة و يبعدهم عن المعصية. و هذا الوجوب منبعث من مقام حكمته تعالى إذا كان يريد من عباده الانقياد، و إلّا كان نقضا لغرضه من التكليف. و من ثم وجب عليه تعالى أن يبعث الأنبياء و ينزل الشرائع و يجعل في الأمم ما ينير لهم درب الحياة، أمّا الى سعادة فباختيارهم. أو الى شقاء فباختيارهم أيضا[٦].
و طبقا لهذه القاعدة لا يدع- تعالى- مجالا لتدليس أهل الزيغ و الباطل، إلّا و يفضحهم من فورهم «وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ»[٧] فالحقّ دائما يعلو و لا يعلى عليه، و الحقّ و الباطل كلاهما، على وضح الجلاء، لا يكدّر وجه الحقّ غبار الباطل أبدا، «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ»[٨]. «إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا
[١] مقتبس من الآية: ٧٥ من سورة الانعام.
[٢] طه: ١١- ١٢.
[٣] النمل: ٩- ١٠.
[٤] النمل: ٩- ١٠.
[٥] علم منشعب عن الفلسفة الحكميّة، يبحث عن أحوال المبدأ و المعاد في ضوء العقل و ارشاد الشريعة.
[٦] راجع شرح تجريد الاعتقاد للعلّامة الحلي: ص ١٨١.
[٧] الحاقة: ٤٤- ٤٦.
[٨] الأنبياء: ١٨.