التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٣ - موقف النبي من الوحي
غير مألوفة، و ربّما لا يستسيغها العقل الفطري في شيء. أمّا علماؤنا الإماميّة فتكلّموا فيهما بطريقة عقليّة على أساس الاستدلال البرهاني مدعما بالنقل المأثور عن ائمّة أهل البيت (عليهم السلام):
الاوّل: كيف عرف النبي (صلى اللّه عليه و آله) أنّه مبعوث؟ و لم لم يشكّ في أنّ الذي أتاه شيطان، و اطمأنّ أنّه جبرائيل؟
الثاني: هل يجوز على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أن يخطأ فيما يوحى إليه، فيلتبس عليه تخيّلات باطلة في نفسه لتبدو له بصورة وحي، أو يلقي عليه ابليس ما يظنّه وحيا من اللّه؟
و الأكثر في الموضوع الأوّل جعلوا من النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) مرتاعا في أوّل أمره، خائفا على نفسه من مسّ جنون، عائذا الى أحضان زوجته الوفيّة، لتستنجد هي بدورها الى ابن عمّها ورقة بن نوفل، فيطمئنه هذا بأنّه نبيّ و يؤكّد عليه ذلك حتى يطمئن و يستريح باله.
أمّا الموضوع الثاني فقد أجازوا لإبليس أن يتلاعب بوحي السماء فيلقي على النبيّ ما يظنّه وحيا- كما في حديث الغرانيق- لو لا أن يتداركه جبرائيل فيذهب بكيد الشيطان.
و قد ذهب أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في كلا الموضوعين مذهبا نزيها، و جعلوا من النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أكرم على اللّه من أن يتركه الى إنسان غيره و لا ينير عليه الدلائل الواضحة على نبوّته الكريمة في تلك الساعة الحرجة.
كما لا يدع للشيطان أن يستحوذ على مشاعر نبيّه الكريم: «وَ اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ»[١].
هذا .. و يجدر بنا و نحن نحاول تنزيه جانب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ممّا ألصقوه بكرامته، أنّ نتكلّم في كلا المجالين بصورة مستوفاة، كلّا على حدة.
[١] الطور: ٤٨.