التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٧ - ١ - الرؤيا الصادقة
قال الإمام الباقر (عليه السلام): «و أمّا النبيّ فهو الذي يرى في منامه، نحو رؤيا إبراهيم (عليه السلام) و نحو ما كان رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من أسباب النبوّة قبل الوحي، حتى أتاه جبرائيل (عليه السلام) من عند اللّه بالرسالة ...»[١].
قوله: «قبل الوحي» أي قبل الوحي الرسالي المأمور بتبليغه. لأنّ هذا البيان تفسير لمفهوم «النبيّ» قبل أن يكون رسولا. و هو إنسان اوحي إليه من غير أن يكون مأمورا بتبليغه. فهو يتصل بالملإ الأعلى اتصالا روحيّا، و ينكشف له الملكوت كما حصل لنبيّنا (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قبيل بعثته المباركة.
قال صدر الدين الشيرازي: «يعني أنّه (صلى اللّه عليه و آله) اتصفت ذاته المقدّسة بصفة النبوّة و جاءته الرسالة من عند اللّه، باطنا و سرّا، قبل أن يتصف بصفة الرسالة أو ينزل عليه جبرائيل معاينا محسوسا بالكلام المنزل المسموع.
و إنّما جاءه جبرائيل معاينا حين جمع له من أسباب النبوّة ما جمع للأنبياء الكاملين، كإبراهيم، من الرؤيا الصادقة و الإعلامات المتتالية بحقائق العلوم و الإيحاءات بالمغيّبات. و الحاصل: أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) استكمل باطنه و سرّه قبل أن يتعدّى صفة الباطن منه الى الظاهر، فاتصف القالب بصفة القلب محاكيا له، و الأوّل نهاية السفر من الخلق الى الحقّ، و الثاني نهاية السفر من الحقّ بالحقّ الى الخلق»[٢].
*** نعم ربّما كانت الرؤيا الصادقة سبيل الوحي إليه (صلى اللّه عليه و آله) فيلقى إليه العلم أحيانا في المنام، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «رؤيا الأنبياء وحي»[٣]. و لكن لم يكن شيء من ذلك قرآنا، إذ لم يعهد نزول قرآن
[١] الكافي: ج ١ ص ١٧٦ ح ٣. و بحار الأنوار: ج ١٨ ص ٢٦٦ ح ٢٧.
[٢] شرح اصول الكافي:( صدر المتألهين): كتاب الحجة ج ٣ ص ٤٥٤.
[٣] امالي الشيخ الطوسي: ص ٢١٥ و بحار الأنوار: ج ١١ ص ٦٤ ح ٤.