التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢ - ٣ - الإنسان و ظاهرة الإدراك
إنّ جزيئات المخّ أفلام تنعكس صورها على صفحة النفس الواسعة عند التذكّر، و عند ما تتّجه النفس الى ما خزنتها في آلة الإدراك. و بذلك تتحقّق تلك المقابلة و المواجهة القائمة بطرفين.
فالصحيح: إنّ ظاهرة الإدراك و التذكّر، ظاهرة نفسيّة، تقوم بنفس الإنسان، و هو وجوده الباطن «الروح» و من ثم لا توجد فيها خصائص المادّة إطلاقا، فلا محدوديّة و لا تزاحم أبدا.
*** و أيضا فإن الإدراك حكم للنفس: هذا ذاك أو ذاك هذا. و هذا يدلّنا على أمرين:
الأوّل: إنّ وراء هذه الصّور المنتقشة على صفحة الضمير، وجودا آخر هو الذي يحكم عليها بأنّ هذا ذاك أو ذاك هذا، و ليس سوى النفس التي تحكم بذلك.
الأمر الثاني: إنّ الحكم ذاته بما أنّه غير مادّي- لعدم وجود خواصّ المادّة فيه إطلاقا- فإنّ الحاكم بذلك- و هو النفس- أيضا غير مادّي، بالمعنى المعروف للمادّة. و ذلك اقتضاء للسنخيّة بين الأثر- و هو الحكم- و المؤثّر- و هو الحاكم كما أنّ الإدراك يتعلّق بأمور كليّة هي ثابتة في صقع النفس لا تتغيّر و لا تتجدّد، الأمر الذي يتنافى و ظاهرة التغيّر و التجدّد المستمرين في جميع جزيئات الجسم بصورة عامّة.
و أخيرا فإنّ ظاهرة التذكّر ليست سوى إعادة لإدراك أمر سابق، كان موجودا و هو مستمرّ، و ليس إدراكا لشيء جديد، و إن كان نفس الإدراك جديدا.
إنّنا عند ما نتذكر شيئا نجده عين ما وجدناه سابقا، و محفوظا في خزانة الذهن، من غير ما تفاوت أو تغيير، فلو كان قائما بغير النفس، أي بأجزاء هذا الجسم العنصري، لكان هذا المدرك- بالفتح- ثانيا غير المدرك أوّلا، إذ لا شيء