التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١ - ٣ - الإنسان و ظاهرة الإدراك
كلّما تذكّرها، فيجدها حاضرة نفسه على مقاييسها الأولى .. تلك ظاهرة التذكّر، فيا ترى أين محلّها الذي تقوم به؟
و ثانية نقول: الإنسان يجد صورة المنظر كلّما تذكّرها بنفس الأبعاد و المقاييس و الحركات و الألوان، كأنّه يشاهدها الآن، صورة طبق الواقع تماما، إنّ هذه الصفحة التي تقع عليها هذه الصورة، و تسمّى بصفحة الذهن صفحة ذات أبعاد توازي نفس أبعاد المنظر، حسبما يجدها الإنسان حاضرة نفسه الآن.
أين تقع هذه الصفحة المتّسعة، من وجود الإنسان؟
إنّ جزيئات المخ، تنطبع عليها صور المحسوسات، لكنها في غاية الصغر.
لا تتناسب و الأبعاد التي يجدها الإنسان عند التذكّر.
إنّنا لا ننكر وجود جزيئات مخيّة تحتفظ في نفسها صور المشاهدات، لكن ذلك وحده ليس إدراكا و لا تذكّرا لأنّ هذه الصّور موجودة، و هي مستمرّة في وجودها حتى مع الغفلة، و تتجلّى مع التذكّر و عند التفات النفس. و هو إدراك متجدّد للصورة بعد أن كان إدراكا لذات الصورة.
لعلّك تقول، إنّ تلك الصّور المنطبعة على جزيئات المخّ قد تبدو للنفس و قد تخفى و بهذا تعلّل ظاهرتي «التذكّر» و «الغفلة»! لكنّا نتساءل: إذا كانت هذه الصّور تبدو و تخفى، فتجاه أيّ شيء تبدو، و عن أيّ شيء تخفى؟ و هذه المقابلة بين أيّ شيء و شيء؟
و بعبارة اخرى: إنّ هذه الصّور تتجلّى. لكنها لمن تتجلّى؟ و من المواجه له؟ لا شك أنّ المواجهة امر قائم بجانبين، فإذا كانت الصّور المنطبعة تشكّل جانبا من هذه المواجهة، فأين الجانب الآخر المواجه له؟ نعم إنّ الصّور المنطبعة على جزيئات المخّ تتجلّى أمام النفس، فالنفس شيء، و هذه الجزيئات شيء آخر فالنفس و هو وجود الإنسان الباطن هو الذي يشكّل الجانب الآخر من هذه المواجهة النفسيّة، و النفس هي التي تدرك تلكم الصّور متى تذكّرتها، و هو إدراك متجدّد و إن شئت فسمّه التذكّر.