التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٢ - الطريق الى معرفة أسباب النزول
قال ابن حجر: فكان عمر قد فهم من هذه الآية ما هو الأكثر الأغلب من لسان العرب، من أنّ «أو» ليست للتخيير، بل للتسوية، في عدم الوصف المذكور ..
قال: و فهم عمر أيضا من قوله تعالى: «سَبْعِينَ مَرَّةً» أنّها للمبالغة، و أنّ العدد المعيّن لا مفهوم له، بل المراد نفي المغفرة لهم و لو كثر الاستغفار، فيحصل من ذلك النهي عن الاستغفار، فأطلقه ..
و فهم أيضا أنّ المقصود الأعظم من الصلاة على الميّت طلب المغفرة للميّت و الشفاعة له، فلذلك استلزم عنده النهي عن الاستغفار ترك الصلاة .. قال:
و لهذه الامور استنكر على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) إرادة الصلاة على عبد اللّه بن ابيّ ...
قال: هذا تقرير ما صدر عن عمر، مع ما عرف من شدّة صلابته في الدين ...![١].
يا للعجب من عقليّة ابن حجر، كيف يتصوّر من عمر عملاقا في فهم قضايا الدين و الوقوف على مزايا اللغة، ممّا غفل عنه مثل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) الذي هو مبلّغ الشريعة و أفصح من نطق بالضاد؟! أمثل من لا يعرف الأبّ من القتّ[٢] و يجهل الكثير من الآداب و السنن[٣] يقوم بتأنيب ناموس الشريعة و صميم العربيّة الفصحاء؟! إن هذا إلّا و هم ناشئ عن عصبيّة عمياء اعاذنا اللّه منها!***
[١] فتح الباري: ج ٨ ص ٢٥٢.
[٢] أخرج الطبري في التفسير: ج ٣٠ ص ٣٨ عن أنس قال: قرأ عمر سورة عبس، فلمّا أتى على هذه الآية« وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا» قال: عرفنا الفاكهة فما الأبّ؟ .. ثم قال: انّ هذا لهو التكلّف!. و أورده ابن كثير في تفسيره: ج ٤ ص ٤٧٣ و صحّحه ... ثمّ تعجّب من عدم فهم عمر معنى الأبّ، لأنّ الكلّ يعلم أنّه من نبات الأرض ممّا يقتات به البهائم لقوله تعالى بعد ذلك« مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ» فالأبّ علف الدوابّ كالقتّ.
[٣] راجع نوادر الأثر في علم عمر:( الغدير: ج ٦ ص ٨٣).