التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٦ - ٢ - سورة الأنعام مكية
إذن فالصحيح في الآية الأولى هو ما قاله أبو جعفر الطبري: هي عامّة، تصف موقف الإنسان عموما تجاه رسالات الأنبياء (عليهم السلام): فمن منكر معاند لا يصدّق بأي رسالة جاءت من قبل اللّه. و آخر مسترسل ضعيف يؤمن بكلّ دعوى رساليّة، حتى و لو كانت نزغة شيطانيّة، من غير تدبّر و لا تفكير صحيح. و من ثم وبّخت الآية هذا النمط من الاسترسال الهابط، و تلك الجرأة الظالمة تجاه ربّ العزّة، فيفترى عليه تعالى ظلما و عدوانا. و لا مساس للآية بقضية ابن أبي سرح بالخصوص.
على أنّ قوله تعالى: «سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ» لا ينطبق مع موقف ابن أبي سرح تجاه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله). نعم كان ينطبق عليه لو كانت الآية هكذا: «سانزل مثل ما أنزل محمد» ...! و قد ناقض سيد قطب هنا بشأن الآية، ففي موضع رجّح كون السورة مكيّة كلّها، و في موضع آخر اعتمد على روايات الاستثناء![١].
*** الخامسة: قوله تعالى: «أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ»[٢].
و ليس في الآية ما يدعو الى الظنّ بأنّها مدنيّة إلّا ذكر أهل الكتاب فيها.
و قد سبق أنّ هذا وحده ليس دليلا، فقد ورد مثلها في آيات مكيّة كثيرا.
و يرجع السبب الى ثقة العرب المشركين بمن جاور بلادهم من أهل الكتاب، فيرونهم أهل علم و دراية، و من ثم قال تعالى: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ
[١] في ظلال القرآن: ج ٧ ص ١٠٦ و ٣٠٦.
[٢] الانعام: ١١٤.