التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٥ - ٢ - سورة الأنعام مكية
و من ثم شك في رسالته، و كفر و لحق بقريش. فأهدر النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) دمه! لكن عثمان أجاره يوم الفتح، و ألحّ على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) حتى عفا عنه[١].
و قالوا:- أيضا- إنّ قوله: «أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ» نزل في مسيلمة و الأسود العنسي، كانا قد تنبئا في حياة الرسول (صلى اللّه عليه و آله)[٢].
لكن الحديث مكذوب من أصله. لأنّ سورة «المؤمنون» مكيّة، و لم يستثن أحد تلك الآية. فكيف يكتبها ابن أبي سرح بالمدينة ثم يرتدّ الى مكة؟! ثم أنّى لبشر أن يتقوّل على اللّه كذبا و ينتحله وحيا، و قد ضمن اللّه لكتابه الكريم بالحفظ. ثم لا يشعر الرسول بدسّ كاذب مفتر على اللّه فيما أنزله اللّه عليه!! و هل تبقى- بعد هذا الاحتمال- ثقة بنصوص الكتاب العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه؟! نعم هناك ثلاث آيات من ثلاث سور، قيل في كلّ واحدة منها: انّها نزلت بشأن ابن أبي سرح. هذه إحداها! و الثانية قوله: تعالى: «وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً»[٣].
و الثالثة: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً»[٤].
و هذه الأخيرة أنسب و أولى بالقبول، كما روي ذلك عن الإمامين:
محمد بن علي الباقر، و جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام)[٥].
[١] راجع مجمع البيان: ج ٤ ص ٣٣٥. و الدر المنثور: ج ٣ ص ٣٠. و تفسير الطبري: ج ٧ ص ١٨١. و تفسير الإمام الرازي: ج ١٣ ص ٨٤. و في ظلال القرآن: ج ٧ ص ٣٠٦. و البرهان: ج ١ ص ٢٠٠.
[٢] نفس المصادر.
[٣] النحل: ١٠٦. تفسير الطبري: ج ٧ ص ١٨١.
[٤] النساء: ١٣٧.
[٥] تفسير العياشي: ج ١ ص ٢٨١ ح ٢٨٨ .. و امّا الذي جاء في التفسير المنسوب الى علي بن إبراهيم القمي: ج ١ ص ٢١٠ من نزول آية الأنعام( ٩٣) بشأن ابن أبي سرح، ففيه من المناكير ما يرفض صدوره من المعصوم( عليه السلام) إذ فيه أنّ رسول اللّه( صلى اللّه عليه و آله) كان يقرّه على تبديله النّص و يقول له: هو واحد ..!!