التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٢ - تحقيق مفيد
سبحانه لم يزل متكلّما بالقرآن- أي القول بقدم القرآن- و مخبرا عمّا سيكون بلفظ كان، و قد ردّ عليهم أهل التوحيد بنحو ما ذكرناه.
قال: و قد يجوز في الخبر الوارد بنزول القرآن جملة في ليلة القدر: أنّه نزلت جملة منه ليلة القدر، ثمّ تلاه ما نزل منه الى وفاة النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فأمّا أن يكون نزل بأسره و جميعه في ليلة القدر فهو بعيد عمّا يقتضيه ظاهر القرآن، و المتواتر من الأخبار، و إجماع العلماء على اختلافهم في الآراء ...[١].
و قال المرتضى علم الهدى- رحمه اللّه-: «و الذي ذهب إليه أبو جعفر ابن بابويه- رحمه اللّه- من القطع على أنّه انزل جملة واحدة ..» إن كان معتمدا في ذلك على الأخبار المرويّة التي رواها، فتلك أخبار آحاد لا توجب علما و لا تقتضي قطعا. و بإزائها أخبار كثيرة أشهر منها و أكثر، تقتضي أنّه انزل متفرقا، و أنّ بعضه نزل بمكة و بعضه بالمدينة، و لهذا نسب بعض القرآن الى أنّه مكيّ و بعضه مدنيّ. و انّه (صلى اللّه عليه و آله) كان يتوقّف عند حدوث حوادث، كالظهار و غيره، على نزول ما ينزل إليه من القرآن، و يقول (صلى اللّه عليه و آله): ما انزل اليّ في هذا شيء و لو كان القرآن انزل جملة واحدة لما جرى ذلك، و لكان حكم الظهار و غيره ممّا يتوقّف فيه معلوما له. و مثل هذه الأمور الظاهرة المنتشرة لا يرجع عنها بأخبار الآحاد خاصة.
فأما القرآن نفسه فدالّ على ذلك، و هو قوله تعالى، «وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً»[٢] و لو كان انزل جملة واحدة لقيل في جوابهم قد انزل على ما اقترحتم، و لا يكون الجواب: «كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَ رَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا». و فسّر المفسّرون كلّهم ذلك بأن قالوا: المعنى إنّا أنزلناه كذلك أي متفرّقا يتمهّل على إسماعه و يتدرّج الى تلقيه و الترتيل أيضا إنّما هو ورود الشيء
[١] شرح عقائد الصدوق( تصحيح الاعتقاد): ص ٥٨.
[٢] الفرقان: ٣٢.