حاشية على درر الفوائد - الآشتياني، محمود - الصفحة ٥٥٣
المفسرون، و من المعلوم ان امره تعالى المؤمنين بالصلاة و بيان النبى (صلى اللّه عليه و سلم) اجزائها و شرائطها التى منها طهارة المصلى عن الاحداث و طهارته و طهارة لباسه و مسجده عن الاخباث التى هى عبارة عن النجاسات العينية، كان قبل هذا العام مدة سنين بالقطع و اليقين، و معه كيف يصح ان يدعى ان كلمة النجس فى قوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ كانت مستعملة فى معناها اللغوى، مع انصرافه الى النجاسات العينية بلحاظ انسباقها الى اذهان المسلمين من جهة ارتكازها فى اذهانهم فى تلك المدة، و لذا قال فى مجمع البيان فى ذيل تفسير هذه الآية، ان قوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ظاهر فى نجاستهم العينية، و مع انسباق هذا المعنى اى النجاسة العينية من لفظ نجس فى الآية الى الاذهان، لو كان المراد منه النجاسة بمعناها اللغوى الاعم لكان على الشارع بيانه و الا لاخل بعرضه، و ثانيا ان النجس معناه اللغوى هو القدر الذى هو عبارة عما يتنفر الطبع عنه، و معه كيف يمكن ان يكون المراد منه فى الآية هذا المعنى، مع أنّه لا قذارة بهذه المعنى فى المشركين، و ثالثا ان قياس كلمة النجس فى الآية الاولى بكلمة الرجس فى الآية الثانية، مع الفارق اذ ليس لكلمة الرجس فى الآية الثانية معنيان عام لغوى و خاص اصطلاحى، و ذلك لما صرح به المفسرون من ان المراد منه هو العمل القبيح و المأثم و لذا جعله اللّه تعالى من عمل الشيطان، و من المعلوم ان العمل القبيح يختلف باختلاف متعلقه فهو بالنسبة الى الخمر شربها و الى الميسر اللعب بها و الى الانصاب عبادتها و الى الازلام التفال بها، لكن هذه الافعال لما فيها من المفاسد مشتركة فى كونها عملا، قبيحا عقلا فتكون محرمة شرعا، لان كل ما حكم العقل بقبحه يحكم الشرع بحرمته، و لذا امر تعالى بالاجتناب عن تلك الافعال بقوله فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، و هذا الحكم حيث يكون دائميا بدوام قبح هذه الافعال، لان العقل انما يحكم بقبح شرب الخمر لما يترتب عليه من السكر المزيد للعقل، و بقبح اللعب بالميسر لما يترتب عليه من استكمال الاخلاق الرذيلة الدنية، كما قال تعالى إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ،