تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ٢٣٧ - البحث عن الثوّار
كانت مشكلة الغذاء في النجف و هي مدينة ذات واد غير ذي زرع، إلاّ أنّ تمر البصرة و الحيرة المكدّس في الأسواق أنقذ الموقف أو قل خفّف من حدّة المجاعة كثيرا، فأصبح هذا التمر الغذاء الوحيد لكثير من النجفيين، و مع ذلك يوجد من الفقراء المرضى من هلك جوعا. و كذلك ماتت جميع الطيور و القطط، و قد شوهدت القطط و هي تأكل التمر مع إنّها لم تكن معتادة على أكله في النجف من قبل، و لم أنس منظرها المحزن و هي تتقلّب في الطرقات و تموء بأصوات كسيرة، و تقلّب نظراتها بين المارّة و كأنّها تستجديهم ممّا أصابها من آلام الجوع. إنّه منظر كئيب يدمي القلوب، و كنت أتألّم كثيرا لمرأى هذه الحيوانات الوديعة و هي تعالج سكرات الموت جوعا.
و أصبح السواد النجفي في حيرة و اضطراب من سوء العاقبة، فيما إذا دخل الجيش الإنگليزي إلى المدينة فاتحا مستبيحا، فكان الناس يملؤون الجوامع و المساجد حيث تتصاعد أدعيتهم و تضرّعاتهم. [١]
و قد أرّخ الشيخ علي البازي هذه الثورة و الحصار بقوله:
ثار الغري مذ علا # أبنائه الجور علا
و مرجل البغي به # بنار سكسون غلا
أهاجه حفاظه # و موته له حلا
أبى بأن تحكمه # دون ذويه الدخلا
لذلكم أصيب في # أرّخ (حصار و غلا)
[٢]
البحث عن الثوّار
تولّى السيّد مهدي السيّد سلمان رئيس محلّة الحويش زعامة النجف برمّتها، و باشر هو و أعوانه، كالسيّد علي جريو، و الحاج عبد اللّه الشمرتي، في القبض على
[١] ثورة العشرين في ذكراها الخمسين: ٤١.
[٢] شعراء الغري: ٦/٣٧٨.