تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٨ - نكتة اخرى في أن الذكر أشرف المقامات للسالك
يقول: «لا إله إلّا اللّه» توحيد العوام و «لا إله إلّا هو» توحيد الخواصّ و «لا هو إلّا هو» توحيد أخصّ الخواصّ و لقد استحسنت هذا الكلام و قرّرته بالقرآن و البرهان. أمّا القرآن فإنّه تعالى قال: وَ لا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [٢٨/ ٨٨] ثمّ قال بعد ذلك كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ معناه «لا هو» و قوله إِلَّا وَجْهَهُ «الا هو» فقد ذكر «لا هو إلّا هو» بعد قوله لا إله إلّا هو يدلّ على أنّ غاية التوحيد هي هذه الكلمة.
و أما البرهان فهو إنّ من الناس من قال: تأثير الفاعل ليس في تحقيق المهيّة و تكوينها، بل لا تأثير له إلّا في إعطاء صفة الوجود لها فقلت: فالوجود أيضا مهيّة فوجب أن لا يكون الوجود واقعا بتأثيره. فإن التزموا ذلك و قالوا: الواقع بتأثير الفاعل هو موصوفيّة المهيّة بالوجود فنقول تلك الموصوفيّة إن لم تكن مفهوما مغايرا للمهيّة و الوجود امتنع إسنادها إلى الفاعل و إن كان مفهوما مغايرا فذلك المفهوم لا بدّ و أن يكون له مهيّة و حينئذ يعود الكلام فثبت انّ المؤثر مؤثّر في الماهيّة و كلّ ما بالغير فإنّه يرتفع بارتفاع الغير فلو لا المؤثّر لم يكن تلك المهيّة مهيّة و لا حقيقة فبقدرته صارت المهيّات مهيّات و صارت الحقائق حقائق و قبل تأثير قدرته فلا مهيّة و لا وجود و لا حقيقة و لا ثبوت و عند هذا يظهر صدق قولنا: لا هو إلّا هو. اي لا تقرّر لشيء من الحقائق إلّا بتقريره و تحقيقه. فثبت إنّه لا هو إلّا هو.
أقول و بالله التوفيق:
اعلم إنّ مقام التوحيد الخاصّ الذي عليه الأولياء الكاملون و العرفاء المحقّقون أعلى درجة و أشمخ شهوقا من أن يناله أرباب الأنظار الجزئيّة بقوّة أنظارهم و أصحاب المباحث الكلاميّة بدقّة أفكارهم و من زعم إنّه بقوّة مهارته في تحرير المقالات و تقرير الإشكالات و الأجوبة عن بعض الإيرادات و بيان بعض المسائل و الشبهات يمكنه الوصول إلى فهم مسائل هذا التوحيد و مكاشفات إخوان التجريد فقد استسمن ذا ورم. و مثله كالزمن إذا أراد أن يطير في الجوّ و مثل من أراد أن يثبت هذا المقصد الغالي و يصل