تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٩ - عقدة و حل اختيارنا في أفعالنا
عقدة و حل [اختيارنا في أفعالنا]
و لمّا ثبت و تحقّق ممّا ذكر من الكلام أنّ كلّ ما يقع في هذا العالم أو سيوقع، مقدّر مكتوب بهيئته و زمانه و وضعه و مكانه في عالم آخر، فإن اشتبه عليك أيّها القدري حال الأفعال المنسوبة إلى الاختيار، و تخيّل لك إنّها على هذا التقدير واقعة بالاضطرار و الإجبار، فما بالنا نتصرّف فيها بالتدبير و التغيير و نصرّفها بالتقديم و التأخير، و نجد الفرق بين المجبور عليه و المخيّر و المختار، و المضطرّ في جريان الأمر الإلهي في مجاري القضاء و القدر؟
و تفكّر في ترتيب سلسلة الأسباب و العلل، و اعلم إنّ قدرة العبد و إرادته و علمه و شوقه من الأسباب القريبة لفعله و هي مستندة بأسباب اخرى متوسطة، و اخرى بعيدة حتّى ينتهي إلى قدرة اللّه و علمه و إرادته و مشيئته و قضائه و قدره.
فالقضاء و القدر إنّما يوجبان ما يوجبان بتوسّط أسباب و علل بعضها مقدّمات مدبّرات كالملائكة السماوية، عقليّة كانت أو نفسيّة، قلميّة كانت أو لوحيّة و بعضها فاعلات محرّكات و موجبات مقتضيات كالمبادي العالية من الجواهر الفلكيّة و الصور المنطبعة، و بعضها قوابل و استعدادات ذاتيّة و عارضيّة.
و الصور اللاحقة الماديّة و الأوضاع الفلكية و الأمور الاتّفاقية كالادراكات و الإرادات الإنسانية و الحركات و السكنات الحيوانيّة، يختصّ بحال دون حال و بصورة دون صورة ترتّبا و انتظاما معلوما في القضاء السابق.
فاجتماع تلك الأسباب و الشرائط، مع ارتفاع الموانع، سبب تامّ يجب بها وجود ذلك الأمر المدبّر المقضيّ المقدور [١] و عند تخلّف شيء منها أو حصول مانع يبقى
[١] ظ: المقدّر.