تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٠ - مكاشفة اخرى في تحقيق القول من سبيل آخر
لطهارة الظاهر أيضا تأثير في إشراق نورها على القلب. فإنّك إذا أسبغت الوضوء و استشعرت نظافة ظاهرك، صادفت في القلب انشراحا و صفاء لا تصادفه قبله. كيف و إدراك النظافة يوجب حصول صورتها في القلب، و هذا ضرب من الوجود، و فعل الطهارة أوجب حصولها في القلب و لو بوجه ضعيف.
و ذلك لسرّ العلاقة الواقعة بين عالم الشهادة و عالم الغيب، فإنّ ظاهر البدن من عالم الشهادة و الملك، و القلب من عالم الغيب و الملكوت بأصل فطرته، و إنّما يكون هبوطه إلى هذا القالب كالغريب عن موطنه الأصلى، و نزوله إلى أرض عالم الشهادة عن الجنة التي هي موطنه و موطن أبيه المقدس، لجناية صدرت أولا عن أبيه.
و كما ينحدر من معارف القلب آثار إلى البدن، فكذلك يرتفع من أحوال الجوارح أنوار إلى القلب و لذلك أمر بالصلاة مع انّها حركات للجوارح و هي من عالم الشهادة.
و بهذا الوجه جعلها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من الدنيا
فقال [١]: أحببت من دنياكم ثلثا- الحديث. و عدّ الصلوة من جملتها.
و من هاهنا قد شممت شيئا يسيرا من أسرار الطهارة و الصلوة و سائر العبادات، و إذا تقرّر هذا عندك و علمت بمثل هذا التقسيم في جميع العبادات و اتّضح لك و تاكّد عندك حسبما قدمنا إليك إنّ الصلوة منقسمة إلى رياضيّ جسمانيّ و إلى حقيقيّ روحانىّ، فاعلم إنّ نفوس الإنسان متفاوتة بحسب آثار القوى و الأرواح و الدواعي المتركبّة فيها، فمن غلب عليه الروح الطبيعي و الحيواني، فإنّه عاشق [البدن] يحبّ نظامه و تزيينه و تعظيمه و أكله و شربه و لبسه و طالب جذب منفعته و دفع مضرّته، فهذا الطالب من عداد الحيوانات و زمرة البهائم. فأيّامه مستغرقة باهتمام بدنه، و أوقات عمره
[١] جاء في الخصال (باب الثلاث: ١٦٥) و المسند (٣/ ١٨٢ و ١٩٩): بلفظ:
حبب ...