تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨ - إشارة اخرى حكمية لزوم الاستعاذة
إشارة اخرى حكميّة [لزوم الاستعاذة]
قد ثبت في العلوم العقليّة انّه ما من موجود في الممكنات إلّا و له كمال من جهة و فقر من جهة أو جهات و لكل منها عشق لما حصل فيه من الكمال، و شوق إلى ما هو فاقد له.
و لهذا حكموا بسريان العشق و الشوق في كلّ الموجودات. ثمّ الإنسان مختصّ من بين الموجودات بخاصيّة هي تطوّره في الأطوار و تبدّله في الأحوال، فما من منزلة و مقام يصل إليه- سواء كان بحسب ميل الجبلّة و الطّبع، أو بحسب الطّلب و الإرادة- إلّا و يشتاق إلى ما وراه و لا يقنع به سواء كان من اللّذات الدنياويّة، كالجاه و المال، أو من السّعادات الاخرويّة، كالعلم و الحال. و
قد ورد في الحديث عن النبيّ- عليه و آله سلام اللّه [١]: «منهومان لا يشبعان منهوم العلم، و منهوم المال»
و الحاصل إنّ الإنسان كلّما كان أكثر فوزا بالمقاصد التي يشتاقه و يطلبه كان أعظم حرصا و أشدّ رغبة في تحصيل الزائد عليه، و لمّا لم يكن لمراتب الكمالات نهاية، فكذلك لا نهاية لدرجات الحرص و الشوق.
و هما لا يخلوان من ألم و زجر، و كلّ ما هو في عالم الإمكان فقد علمت إنّه لا يخلو من نقص و قصور و آفة و فتور و انما يتحقّق الكمال الأتمّ و الغاية القصوى و الجلال الأرفع و النور الأعظم في الحضرة الإلهيّة التي هي منبع السرور و معدن الخير و النور. فما دام الإنسان بعيدا عن جناب القدس غير راجع إلى ربّه فهو بعد في الم الحرمان، محترقا بنار الفرقة و الفقدان ممنوّا بمرض الحرص و آفة الهجران فثبت إنّ هذا داء عظيم لا قدرة للعبد على علاجه إلّا برجوعه إلى خالق كل شيء و مبدع كلّ حيّ و مفيض كل وجود و كمال كلّ موجود بل هو مطلوب كلّ طالب و إليه أوبة كلّ آئب فمن أراد أن يسكن عن
[١]
في الجامع الصغير (٢/ ١٨٤): «طالب علم و طالب دنيا».
و
جاء في الخصال للصدوق (ره) عن الصادق (ع): «... منهوم علم و منهوم مال»
(باب الاثنين ١/ ٥٣).