تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٢١ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ١٣
بوجه في قوله آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ.
و أما المدرك الثاني لمعرفة الآخرة: فالوحي للأنبياء و الإلهام للأولياء و لا تظنّ أيّها الحبيب هداك اللّه انّ معرفة النبي صلّى اللّه عليه و آله لأمر الآخرة و لأمر الدين و لسائر المعارف الإلهية، كانت تقليدا لجبرئيل بالسماع منه و الرواية، كما انّ معرفتك تقليد للنبي حتى يكون معرفتك كمعرفته، و انّما يختلف المقلّد فقط. هيهات فإنّ التقليد ليس معرفة بل هو اعتقاد صحيح، و الأنبياء عارفون. و معنى معرفتهم إنّهم كشف لهم حقيقة الأشياء كما هي عليها فشاهدوها بالبصيرة الباطنة كما تشاهد أنت المحسوسات بالبصر الظاهر فيخبرون عن مشاهدة، لا عن سماع و تقليد.
و أمّا الذين غرّهم باللّه الغرور، فمنشأ اغترارهم باللّه ما قال بعضهم في أنفسهم أو بألسنتهم: إنّه إن كان للّه تعالى معاد و لنا عود إليه، فنحن أحق به و بالسعادة عنده من غيرنا لأنّا أعظم منزلة و أوفر حظّا و أسعد حالا، كما أخبر اللّه تعالى من قول الرجلين المتحاورين في القرآن بقوله: وَ ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَ لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً [١٨/ ٣٦] و قال تعالى ردّا على أمثاله أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً [١٩/ ٧٨] كلّا فهذا من الغرور باللّه.
و يشبه القياس من أقيسة إبليس و ذلك بأنّهم ينظرون مرّة إلى نعم اللّه تعالى عليهم في الدنيا و يقيسون نعم الآخرة عليه، و ينظرون مرّة إلى تأخير اللّه العذاب عنهم فيقيسون عذاب الآخرة عليه، و مرّة ينظرون إلى الفقراء المؤمنين و هم شعث غبر و كان منهم في زمان النبي صلّى اللّه عليه و آله موالي كصهيب و بلال و خبّاب، فيزدرونهم و يستحقرونهم، و يسفّهونهم، و كان بعض المنافقين يقول لبعض: أ نؤمن كما آمن سفيه بني فلان و سفيه بنى فلان؟! و كانوا يقولون: أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا [٦/ ٥٣] و يقولون: لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ [٤٦/ ١١] و هذا كلّه أيضا لحمقهم و سفه عقولهم و جهلهم