تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٧ - فصل رد احتجاجات المعتزلة
لا يجوز أن يكون مراد اللّه منه الكفر و الجهل لوجوه مذكورة في التفسير الكبير [١] من غير جواب و نحن نذكرها و نجيب عنها:
الأول: إنّ الكفار كانوا في غاية الحرص على الطعن في القرآن، فلو كان المعنى ذلك، لقالوا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله: إذا فعل اللّه الكفر فينا فكيف يأمرنا بالايمان؟
و الجواب أولا بالنقض، لأنّ ما ذكروه جار بعينه في مثل قوله وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ [٤٥/ ٢٣] و قوله: يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [٣٥/ ٨] و قوله:
إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً [١٨/ ٥٧] إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في أنه تعالى أبعد الكفار و المنافقين عن دار كرامته، و صدّهم عن سبيله و جنّبهم عن الجنّة.
و ثانيا: إن المنافقين إذا قالوا ذلك فللنبي صلّى اللّه عليه و آله أن يقول: إنّما طرأ عليكم من اللّه هذه الظلمة و الحجاب لشوم ما فعلتم أولا من الإنكار و الجحود و التمادي على الجهل و الكفر كما قال تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [٢/ ٧٤] و قوله بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [٤/ ١٥٥] و قوله: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً [٥/ ١٣].
الثاني: إنه تعالى لو كان فاعلا للكفر لجاز منه إظهار المعجزة على يد الكاذب فكان لا يبقى كون القرآن حجّة.
و الجواب منع هذه الملازمة و أي علاقة لزوميّة بين إيجاد الكفر في النفوس المظلمة الجاحدة لآيات اللّه و بين اظهار المعجزة على يد الكاذب؟
الثالث: إنّه تعالى ذكر هذه الآيات في معرض الذمّ لهم على كفرهم، فكيف يذمّهم على شيء خلقه فيهم؟
و الجواب إنّ هذا بعينه مصادرة على المطلوب الأول فإنّ أصل الكلام في أنّ اللّه
[١] تفسير الفخر الرازي ١/ ٢٨٥.