تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٩٢ - فصل فيه حكمة مشرقية كيف يخدع الإنسان نفسه
بالحسّ من الشعار، و مشاعر الإنسان حواسّه- عني به إنّ لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس لكنهم لتماديهم في الغفلة، كالذي به خدر لا يحسّ. و المراد من النفس ذات الشيء و حقيقته و لا يختصّ بالأجسام لقوله تعالى تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ و قد يطلق على جوهر مفارق عن الأجسام ذاتا و حقيقة، مقارن لها فعلا و تأثيرا. ثمّ قيل للقلب:
نفس، لأنّه خليفة النفس في البدن كما انّ الصدر خليفة الطبيعة.
و يقال للدم نفس، لأنّ قوام حياتها البدنيّة بالدم، و للماء: نفس، لفرط حاجتها إليه قال تعالى وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ و للرأي في قولهم: فلان يؤامر نفسه: إذا تردّد في الامر و اتّجه له رأيان و داعيان، كأنّهم أرادوا داعيي النفس و ناجييها فسمّوهما نفسين، لصدورهما عن النفس أو تشبيها لهما بمبشرين يأمر أحدهما و ينهى الآخر، و ستطلع على هذا السرّ.
و قرء نافع و ابن كثير و أبو عمرو: و ما يخادعون، و الباقون: يخدعون، و حجّة الأولين التطابق في اللفظ بين الكلامين.
و حجة الباقين: ان المخادعة إنّما تكون بين اثنين فلا يكون الإنسان الواحد مخادعا لنفسه.
أقول: و كذلك الخداع لا يكون إلا بين اثنين. و الفرق بينهما بأن الفعل في الأول من الجانبين، و كذا الانفعال، و في الثاني: الفعل من جانب و الانفعال من جانب آخر فالإنسان الواحد كما لا يخادع مع نفسه كذلك لا يخدع نفسه أيضا، فما هو الجواب لذاك، فهو الجواب لهذا فالاولى أن يراد حقيقة المخادعة. أي و هم في ذلك يخدعون أنفسهم حيث يمنّونها الأماني الباطلة و يحدّثونها بالأكاذيب من الإيعاد بالخير و الوعد بالشر و غير ذلك، و كذلك أنفسهم يعدهم و يمنّيهم و يحدثهم بالأماني.