تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٨٩ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ٩
معلوم و له غنى عن كلّ ما سواه. فلم يبعد عن مثله تجويز أن يكون اللّه في زعمه مخدوعا من وجه خفي، و ربما يوجد في الناس بل في أكثر الأكياس منهم من كان هذا شانهم مع اللّه و قد شاهدناهم و صحبناهم كثيرا.
و ثانيها أن يقال: صورة صنيعهم مع اللّه- حيث يتظاهرون بالايمان و يستبطنون الكفر- صورة صنيع الخادعين.
و ثالثها: إنّ المراد من يخادعون اللّه، المخادعة مع رسول اللّه إمّا على حذف المضاف، أو على أن معاملة الرسول معاملة اللّه من حيث انّه خليفته في أرضه، و الناطق عنه بأوامره و نواهيه مع عباده، و هو مع ذلك خارج عن مقام بشريّته ذاهب إلى اللّه و ملكوته واصل بكلّيته في بحبوحة قربه و مطالعة جماله و جلاله مستغرق في شهود إلهيته، كما قال تعالى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [٤/ ٨٠] و قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [٤٨/ ١٠] و
قال صلّى اللّه عليه و آله [١]: «من رآني فقد رأى الحقّ»
و
في الحديث القدسي [٢]: «من بارز وليا فقد بارزني و من عاداه فقد عاداني».
و رابعها: ما ذكره صاحب الكشاف و هو أن يكون من قبيل قولهم: «أعجبني زيد و كرمه» فيكون المعنى: يخادعون الذين آمنوا باللّه، و فائدة هذه الطريقة، قوّة الاختصاص و له نظائر ذكرها.
و خامسها: ما في الكشّاف أيضا و هو أن يقال، عنى به «يخدعون» إلّا انه أخرج في زنة المفاعلة للمبالغة لأنّ الزنة في أصلها للمبالغة، و الفعل متى غولب فيه فاعله كان أبلغ و أحكم منه إذا زاوله من غير مقابلة معارض، و يعضده قرائة من قرء يخدعون [٣]،
[١] البخاري: باب التعبير: ٩/ ٤٣.
[٢] جاء ما يقرب منه في التوحيد: ٣٩٩.
[٣] قرء نافع و ابن كثير و ابو عمرو «و ما يخادعون الا أنفسهم» و الباقون «و ما يخدعون» (مجمع البيان).