تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٤ - فصل اقوال المعتزلة في المراد من الختم
و التأويلات:
أحدها: القصد إلى صفة القلوب بأنّها كالمختوم عليها، و أما إسناد الختم إلى اللّه فللتنبيه على أنّ هذه الصفة في فرط تمكّنها و ثبات قدمها كالشيء الخلقي غير العرضي، و لهذا قال: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ [٤/ ١٥٥] ألا ترى إلى قولهم:
فلان مجبول على كذا، مفطور عليه؟ يريدون إنّه بليغ في الثبات عليه.
و ثانيها: إنّه يكفى في حسن الإضافة أدنى سبب، و الشيطان هو الخاتم بالحقيقة أو الكافر. إلّا انّ اللّه تعالى لمّا كان هو الذي أقدرهم على ذلك، أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى المسبّب.
قال صاحب الكشّاف: إن للفعل ملابسات شتّى، يلابس الفاعل و المفعول به و المصدر و الزمان و المكان و المسبّب، فإسناده إلى الفاعل حقيقة و إلى غيره استعارة لمضاهاتها الفاعل في ملابسته، فيقال: عيشة راضية، و شعر شاعر، و نهاره صائم، و طريق سائر و بنى الأمير المدينة.
و ثالثها: إنّهم أعرضوا عن التدبّر و لم يصغوا إلى الذكر و كان ذلك عند إيراد اللّه تعالى الدلائل، فأضيف ما فعلوا إلى اللّه تعالى لأنّ حدوثه إنّما اتّفق عند إيراده تعالى عليهم كقوله تعالى في أهل التورية فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [٩/ ١٢٥] أي ازدادوا بها كفرا إلى كفرهم.
و رابعها: أن يكون ذلك حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكّما به في قولهم: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ وَ مِنْ بَيْنِنا وَ بَيْنِكَ حِجابٌ [٤١/ ٥].
و نظيره في الحكاية و التهكّم قوله لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ [٩٨/ ١].
و خامسها: إنّ المراد به تمثيل حال قلوبهم بقلوب البهائم التي خلقها اللّه خالية عن الفطن، أو قلوب مقدّرة ختم اللّه عليها. و نظيره: سال به الوادي: إذا هلك. و طارت به