تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٤ - فصل فيما يرد على المعتزلة القائلين باستقلال العبد في أفعاله و حركاته
قبل أن اخلق؟ قال موسى: بأربعين عاما. قال آدم: فهل وجدت فيها؛ و عصى آدم ربّه فغوى؟ قال: نعم قال: أ فتلومني على أن عملت عملا كتبه اللّه تعالى عليّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فحجّ آدم موسى عليه السلام».
و المعتزلة طعنوا في هذا الحديث من وجوه [١]: أحدها: إنّ هذا الخبر يقتضى أن يكون موسى قد ذمّ آدم على الصغيرة. و ذلك يقتضى الجهل في حقّ موسى عليه السلام و ذلك غير جايز.
و ثانيها: إنّ الولد كيف يشافه الوالد بالقول الغليظ؟
و ثالثها: إنّه قال: «أنت أشقيت و أهبطت الناس من الجنّة» و قد علم موسى إنّ شقاء الناس و إخراجهم من الجنّة لم يكن من جهة آدم، بل اللّه أخرجه منها.
و رابعها: إنّ آدم احتجّ بما ليس حجّة. إذ لو كان حجّة، لكان لفرعون و هامان و سائر الكفار أن يحتجّوا به، و لمّا بطل ذلك علمنا فساد هذه الحجّة.
و خامسها: إنّ الرسول صوّب آدم في ذلك مع أنّا بيّنا إنّه ليس بصواب.
إذا ثبت هذا وجب حمل الحديث على أحد ثلاثة أوجه:
أحدها: إنّه صلّى اللّه عليه و آله حكى ذلك عن اليهود- لا انّه حكاه عن اللّه أو عن نفسه- و اشتبه على الراوي.
و ثانيها: إنّه «فحجّ آدم» منصوبا أي «إنّ موسى جعله محجوجا.
و ثالثها: و هو المعتمد إنّه ليس المراد من المناظرة الذمّ على المعصية و لا الاعتذار منه بعلم اللّه، بل موسى سأله عن السبب الذي حمله على تلك الزلّة حتّى خرج بسببها من الجنّة فقال آدم: إنّ خروجي منها لم يكن بسبب تلك الزلّة، بل بسبب أنّ اللّه تعالى كان قد كتب عليّ أن أخرج إلى الأرض و أكون خليفة فيها، و هذا المعنى كان مكتوبا
[١] الوجوه منقولة من تفسير الرازي: ١/ ٢٧٠.