تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٠ - فصل في كيفية إنزال الوحي على الأنبياء عليهم السلام
شبح شخص بشريّ ناطق بكلمات إلهية منظومة مسموعة كما قال تعالى: فتمثّل لها بشرا سويّا يعنى بذلك ارتسام الصورة عنده لا في لوح بنطاسياه- كما زعمه الظاهريّون من الحكماء ممن لا تحقيق له في علم النبوات- و لا من سبيل الظاهر و الأخذ عن مادة خارجيّة، بل بالانحدار إليه من العالم الأعلى و النزول إليه من جانب اليمين و صقع الإفاضة فإنّ الشأن في السماع و الأبصار المشهورتين انّه يرتفع صورة المسموع و المبصر من الموادّ الخارجيّة إلى لوح الانطباع، ثمّ منه إلى عالم الخيال و المتخيّلة.
ثمّ يصعد الأمر إلى النفس الناطقة كما هو المعروف عند الجمهور و المثبت منهم في الكتب.
و عندنا: النفس ترتفع من المحسوس إلى المتخيّل و منه إلى المعقول، و الصور ثابتة في أحيازها و عوالمها.
و في إبصار الملك و سماع الوحي- و هما الإبصار و السماع الصريحان- ينعكس الشأن، فينزل الفيض من عالم الأمر إلى النفس، فهي تطالع شيئا من الملكوت مجرّدة غير مستصحبة لقوّة حسيّة أو خياليّة أو وهميّة. ثمّ يفيض من النفس إلى القوّة الخياليّة فتمثّل لها الصورة بما انضمّ إليها من الكلام في الخيال من معدن الإفاضة و صقع الرحمة، ثمّ تنحدر الصورة المتمثّلة و العبارة المنظومة من الخيال و المتخيّلة إلى الحسّ الشاهد، بل النفس تنزل من العالم الأعلى إلى الأوسط ثمّ إلى الأدنى فتشاهد في كل عالم ما يتعارف لها و يناسبها على عكس الحالة الاولى، لأنّ تلك الحركة عروجيّة و هذه نزوليّة فتسمع الكلام و تبصر الصورة في كلّ عالم من العوالم الثلاثة.
و هذا أفضل ضروب الوحي و الإيحاء، و له أنحاء مختلفة و مراتب متفاضلة بحسب درجات النفس.
و قد يكون في بعض الدرجات لا يتخصّص المسموع و المبصر بجهة من جهات العالم بخصوصها، بل الأمر يعمّ الجهات بأسرها في حالة واحدة، و قد يكون