تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٩ - فصل في كيفية إنزال الوحي على الأنبياء عليهم السلام
البدنيّة في الشواهد الربوبيّة [١] عند البحث عن تحقيق المعاد الجسماني، فمن كانت نفسه واغلة الهمّة في الجنبة السافلة، طفيفة الانجذاب إلى الجنبة العالية، قليلة التوجّه إلى يمين الحقّ و عالم القدس، لم يكن لجوهر قلبه سبيل إلى مطالعة الصور الغيبيّة إلّا من مسلك الحاسّة الظاهرة و الاتّصال بالآلة البدنية و حضور المادّة الخارجيّة.
فأمّا إذا كانت نفسه قويّة العزيمة مجموعة الهمّة قدسيّة الفطرة نقيّة الجوهر بحسب جبلّتها المفطورة أو بحسب ملكتها المكسوبة، و بالجملة شديدة الاستحقار لعالم الحسّ، قاهرة القوّة على تسخير القوى و ضبطها، ذات سلطنة على خلع البدن و رفض الحواسّ الظاهرة و الانصراف عنها إلى صقع الملكوت بإذن ربّها، فهو مستغن بقوة نفسها المتخيّلة اللامنغمسة في قوى البدن عن استعمال الحواسّ الظاهرة.
فله أن يتلّقى الصورة الجزئية من معادنها الأصلية من غير استعانة بهذه الآلات و يقتدر على تصوير المعاني بصورها المقداريّة في عالم الصور الخالصة عن هذه الموادّ متى شاء و حيث شاء.
فمهما وجدت نفسه فرصة عن هذه الشواغل العارضة في اليقظة تخلص بقوّتها المتخيّلة عن جانب الطبيعة راجعة إلى عالمها متّصلة بأبيها المقدّس و هو روح القدس و بمن شاء اللّه تعالى من الأرواح المقدّسة، و يستفيد من هناك العلم و الحكمة بالانتقاش على سبيل الرشح أو العكس كمرآة مجلوّة حوذي بها شطر الشمس.
و لكن حيث انّ النفس تكون بعد في دار غربتها بالطبع و لم تنسلخ و لم ترتفع أذيالها بالكليّة عن علاقتها التدبيريّة لقواها البدنيّة و جنودها الحسيّة، أو انّها لم تتجرّد عن عالم التمثّل بالكليّة و إن تجرّدت عن عالم المادّة بالكليّة، فيكون منالها فيما تناله بحسب ذلك الشأن و تلك الدرجة تحوّل الملك الحامل للوحي على صورة متمثّلة في
[١] راجع الشاهد الثاني من المشهد الثالث.