تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٧ - فصل في كيفية إنزال الوحي على الأنبياء عليهم السلام
علويّات و سفليّات سماويّات و أرضيّات، قد سيّات و جسمانيّات، و في القبائل شعوب بطبقات كالقوى المنطبعة و الطبائع الجوهريّة و النفوس المفارقة و أرباب الأنواع و الصور المفارقة، و العقول القادسة بطبقات أنواعها. و منها روح القدس النازل بالوحي النافث في أرواع اولى القوّة القدسيّة بإذن اللّه و غير ذلك ممّا لا يعلم أعدادها و لا أنواعها إلّا اللّه كما قال وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [٧٤/ ٣١].
و
قال صلّى اللّه عليه و آله [١]: أطت السماء و حقّ لها أن تئط. ما فيها موضع قدم إلّا و فيه ملك ساجد أو راكع.
فالأمر غير مشتبه على الناهج منهجهم و الماشي ممشاهم و قد مرّ منّا القول بأنّ كلام اللّه ليس مقصورا على ما هو من قبيل الأصوات أو الحروف، و لا على ما هو من قبيل الأعراض مطلقا ألفاظا كانت أو معاني، بل كلامه و متكلّميّته يرجع إلى ضرب من قدرته و قادريّته، و له في كل عالم من العوالم العلويّة و السفلية صورة مخصوصة.
و طائفة اخرى اقتصروا على القول بالتلاقي الروحاني و الظهور العقلاني بين النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الملك الحامل للوحي فسمّوا ظهوره العقلاني لنفوس الأنبياء عليهم السلام نزولا، تشبيها للهبوط العقليّ بالنزول الحسيّ و للاعتلاق الروحاني بالاتّصال المكاني، فيكون قولنا: نزل الملك استعارة تبعيّة، و قولنا: نزل الفرقان مجازا بتبعيّة تلك الاستعارة التبعيّة. و هذا ممّا فيه إسراف في فحولة التنزيه، كما في القول الأول في أنوثة التشبيه. و إن في كلا القولين زيغا عن طريق الصواب، وحيدا عمّا فيه هدى لاولى البصائر و الألباب و شقّا لعصا الامة لفرقها المتفرّقة و أحاديثها النبويّة المتواترة، و خرقا للقوانين العقليّة المنضبطة، فالامّة مطبقة على أن النبي صلّى اللّه عليه و آله، كان يرى جبرئيل و ملائكة اللّه المقرّبين عليهم السلام، ببصره الجسماني و يسمع كلام اللّه الكريم على لسانهم القدسي بسمعه الجسدانيّ الشخصي.
[١] الدر المنثور: ٥/ ٢٩٣. المسند: ٥/ ١٧٣.