تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٩ - تنبيه
منه
[١]. و لهذا المعنى ذكر بعض المحقّقين في تفسيره: و ممّا خصصناهم به من أنوار المعارف يفيضون.
و اعلم إنّ الرزق كلّه من قبل اللّه لا من قبل غيره، لأنّه من ضروريّات بقاء الإنسان و الحيوان. فهو مقدّر بتقدير اللّه، مضمون بضمانه و البرهان عليه من طريق العقل: إنّه تعالى يعلم ذاته و ما يوجبه ذاته على الترتيب الأقدم فالأقدم و هكذا إلى أدنى المراتب، فهو قد عقل جميع الموجودات من جهة عقله لذاته لأنّ عقله لذاته علّة لعقل ما يقتضيه ذاته و إن كان بالقصد الثاني و كل ما يعقله لا بدّ و أن يوجده، لأنّ علمه علم فعلي لأجل كون علمه عين ذاته فقد ترتب وجود جميع الموجودات عن علمه بذاته، و بما يوجبه ذاته من المبدعات و الكائنات، لأن اللّه تعالى علم وجود الكلّ من ذاته، فكما انّ تعقله لذاته لا يجوز أن يتغيّر فكذلك تعقّله لكل ما يترتّب عن ذاته.
فكل ما يعقل وجوده عن ذاته و عن عقله لذاته لا يجوز أن يتغيّر، بل يجب وجود كلّ ذلك على الوجه الذي عقله و وجود أنواع الحيوانات و بقاءها متعقّل له تعالى بلا شكّ فيه و لا خلاف من أحد من العقلاء و خصوصا وجود النوع الإنساني و بقاؤه، فيجب وجود هذا النوع و بقاؤه، و كذا سائر الأنواع الحيوانيّة المتوالدة.
و لمّا كان وجود النوع إنّما يبقى مستحفظا إذا لم يمكن لواحد من أعداده الديمومة الشخصيّة بتعاقب أشخاصه و بلوغ كلّ شخص منها إلى كماله الذي يمكن به أن يولد شخصا آخر مثله، و بلوغه إلى ذلك الكمال لا يمكن إلّا ببقائه مدّة يصل فيها إليه و بقاؤه تلك المدّة لا يمكن إلّا بما به قوام حيوة الدين من الرطوبات الغريزيّة التي هي أبدا في التحلّل و الذوبان و النقصان بواسطة استيلاء الحرارات الداخليّة و الخارجيّة عليها فيحتاج في تحلّلها و ذوبانها و نقصانها كلّ لحظة إلى البدل و هو الرزق الصوري، فقوام
[١] سنن الدارمي: باب البلاغ عن رسول اللّه (ص) و تعليم السنن: ١/ ١٣٨.