تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٠ - و هاهنا سؤالات
بعثه رسولا إلى الخوارج: لا تحتج عليهم بالقرآن فإنّه حمّال ذو وجهين [١]، و لو كان هدى لما قال عليه السلام ذلك.
و لأنّا نرى جميع فرق الإسلام يحتجّون به و نرى القرآن مملوّا بعض آياته صريح في الجبر، و بعضها صريح في القدر، و لا يمكن التوفيق بينهما إلّا بالتعسّف الشديد، فكيف يكون هدى؟
و الجواب: إنّ ذلك المجمل و المتشابه لمّا لم ينفك عما هو المراد على التعيين، و هو إمّا دلالة العقل المنوّر بنور القرآن و إمّا دلالة المبيّن و المحكم من الآيات، صار كلّه هدى.
و أما قوله: «لا يمكن التوفيق بين آيات الجبر و آيات القدر إلّا بالتعسّف الشديد» فليس كذلك عند من هو من أهل القرآن، و هم المتّقون الراسخون في العلم و العرفان.
و رابعها: كلّما يتوقّف صحة كون القرآن حجة عليه، لم يكن القرآن هدى فيه فاستحال كون القرآن هدى في معرفة اللّه و صفاته و معرفة النبوّة و المعاد، و لا شكّ إنّ هذه اصول المطالب و هي أشرف العلوم فإذا لم يكن القرآن فيه هدى فكيف جعله اللّه هدى على الإطلاق؟
و الجواب: إنّ كمال المعرفة باللّه و رسله و ملكوته و النشاة الآخرة لا يحصل إلّا بالقران، و كذا العلم بالشرائع الإلهية و سائر الحقائق النبويّة لا يستفاد إلّا به و المتوقّف عليه صحّة كون القران حجة هو أصل الإعتقاد باللّه و اليوم الآخر على وجه يشترك فيه أكثر الناس و يذعن به أوائل العقول من غير حاجة إلى ممارسة القرآن و مطالعة الآيات.
و الايمان باللّه و اليوم الآخر مرتبة عظيمة و منزلة شريفة، لا يوجد إلّا في من عرف القرآن و علم آياته و معانيه على وجه يتنوّر به قلوب أهل الحقّ، و هو غير الإعتقاد الذي قد يحصل بمجرّد التقليد أو الرواية من غير بصيرة و اهتداء و يشترك أوائل الفطر و مبادي،
[١] في نهج البلاغة (الرسائل: ٧٧) لا تخاصمهم بالقرآن، فان القرآن حمال ذو وجوه.