تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٦ - فصل في التقوى
إحداها التوقّي عن العذاب المخلّد بالتبرّؤ عن الشرك و الجحود للحقّ و الدين و الإنكار للعلم و الحكمة و اليقين و عليه يحمل قوله تعالى وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى.
و الثانية الاجتناب عن المآثم و المعاصي من فعل أو ترك حتّى الصغائر عند القوم،
فروي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله إنّه قال [١]: «لا يبلغ العبد درجة المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به حذرا ممّا به بأس»
و هو المعنيّ بقوله تعالى وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا- الآية [٧/ ٩٦].
و الثالثة: أن ينزّه عما يشغل سرّه عن الحقّ و يجرّد عما سواه و يبتّل إليه بشراشره، و هو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [٣/ ١٠٢].
و اعلم إنّ التقوى جاءت في القرآن بمعان كثيرة كلّها ترجع إلى هذه المراتب.
فمنها الايمان كقوله تعالى وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَ كانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها [٤٨/ ٢٦] أي كلمة التوحيد و قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى [٤٩/ ٣] و في الشعراء قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَ لا يَتَّقُونَ [٢٦/ ١١] أي ألا يؤمنون.
و منها الخشية كقوله في أول النساء: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [٤/ ١] و مثله في أول الحجّ [٢٢/ ١] و [في] الشعراء إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَ لا تَتَّقُونَ [٢٦/ ١٦١] أي ألا تخشون، و كذلك قول هود و صالح [٢٦/ ١٤٢] و لوط [٢٦/ ١٦١] و شعيب [٢٦/ ١٧٧] لقومهم. و في العنكبوت: وَ إِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُ [٢٩/ ١٦] يعني: اخشوه.
و منها التوبة كقوله تعالى وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا [٧/ ٩٦] أي تابوا.
و منها الطاعة كقوله تعالى في النحل: أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ
[١]
الجامع الصغير: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين ...»
٢/ ٢٠٤.