تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢١٢ - تنبيه رد على القائلين بعدم إمكان فهم تفسير الحروف المقطعة
تعالى أقسم بهذه الحروف انّ هذا الكتاب هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ العاشر: قال أبو بكر الزهري إنّ اللّه تعالى علم إنّ طائفة من هذه الامة تقول بقدم القرآن، فذكر هذه الحروف تنبيها على أنّ كلامه مؤلّف من هذه الحروف، فيجب أن لا يكون قديما.
فهذه عشرة من الأقوال المذكورة في معنى هذه الفواتح و هي كثيرة اكتفينا بذكر هذه عن غيرها لأنّها الأقرب إلى التصديق به، و مختار الأكثر هو كونها أسماء السور و عليه إطباق كثير من المفسّرين منهم الإمام الرازي [١]، و استدلّ عليه بأنّها إن لم تكن مفهمة كان الخطاب بها كالخطاب بالمهمل و التكلّم بالزنجي مع العربي، و لم يكن القرآن بأسره بيانا و هدى، و لما أمكن التحدّي به.
و إن كانت مفهمة فإمّا أن يراد بها الأعلام أو المعاني و الثاني باطل لأنّه إمّا أن يكون المراد ما وضعت له في لغة العرب، و ظاهر إنّه ليس كذلك. أو غيره و هو باطل لأنّ القرآن نزل على لغتهم لقوله تعالى بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ فلا يحمل على ما ليس في لغتهم.
فثبت الأول و هو كونها أعلاما للسور التي هي مستهلّتها، سمّيت بها إشعارا بأنّها كلمات معروفة التركيب فلو لم يكن وحيا من اللّه لم يتساقط معذرتهم دون معارضتها.
و الاعتراض عليه من وجوه: أحدها: لم لا يجوز أن يكون مزيدة للتنبيه و الدلالة على انقطاع كلام و استيناف آخر كما قاله قطرب؟ أو يكون اختصار الكلام كما في القول الرابع و الخامس؟ أو يكون إشارة إلى عدد آجال كما قاله ابو العالية؟ و هذه الدلالة و إن لم تكن عربيّة لكن لاشتهارها فيما بين الناس حتّى العرب، كانت كالمعرّبات
[١] تفسير الرازي: ١/ ٢٣٢.