تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٩ - تنبيه رد على القائلين بعدم إمكان فهم تفسير الحروف المقطعة
الناس، لا تضرّنا و نحن نقول به.
و منها: إن الأفعال التي كلفنا به قسمان، منها ما يعرف وجه الحكمة فيها كالصلوة و الصيام و الزكاة.
و منها ما لا يعرف وجه الحكمة فيها كأفعال الحجّ، فكما يحسن من اللّه الأمر بالنوع الأول، فكذا يحسن منه الأمر بالنوع الثاني، لأن الطاعة فيه تدلّ على كمال الانقياد و نهاية التسليم، لأنه لما لم يعرف فيه وجه مصلحة لم يكن إتيانه إلّا لمحض الانقياد و التسليم، و إذا كان الأمر كذلك في الأفعال فلم لا يجوز أيضا أن يكون الأمر كذلك في الأقوال، و هو إنّ اللّه يأمرنا تارة بأن نتكلّم بما نقف على معناه، و تارة بما لا نقف على معناه، و يكون المقصود من ذلك ظهور الانقياد و التسليم من المأمور للأمر.
أقول: و هذا أيضا ساقط، لأن كون الغاية في التكليف بالأعمال، التسليم و الانقياد و إن كان مسلّما، لكن كون الغاية في العلوم كذلك، غير مسلّم كما حقّق في مقامه.
و بالجملة المقصود من العلوم و المعارف تنوير القلب بأنوار الحقائق الإلهيّة، و من الأعمال و الأفعال تطويع النفس الأمّارة للنفس المطمئنّة لئلا يزاحمها القوى الشهويّة و الغضبيّة و غيرها في السلوك إلى اللّه.
و أعجب من ذلك قولهم: بل فيه فائدة اخرى، و هو إنّ الإنسان إذا وقف على المعنى و أحاط به، سقط وقعه عن القلب و إذا لم يقف على المقصود مع القطع بأنّ المتكلم بذلك أحكم الحاكمين، فإنّه يبقى ملتفتا إليه أبدا و متفكّرا فيه دائما، و لباب التكليف اشتغال السرّ بذكر اللّه و التفكّر في كلامه.
أقول ما أشبه هذا بكلام العوام و الجهّال، فإنّ نفس التفكّر ليس من الغايات المتأصّلة ليكون بقاء الإنسان في التردّد الفكريّ أبدا سرمدا سعادة، على أن فيه تعبا و مشقّة في الحال و إنّما الفائدة فيه انتقال الذهن إلى ما هو المطلوب الأصلي و هو الابتهاج بإدراك الحضرة الإلهية و الاستسعاد بالأنوار الملكوتية.