تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٦ - تنبيه رد على القائلين بعدم إمكان فهم تفسير الحروف المقطعة
للمطرودين عن باب الرحمة الإلهيّة، المحترقين بنيران الجهالات المتراكمة، المتألّمين بآلام الاعتقادات الرديّة الفاسدة فلا بدّ أن يوجد في عباد اللّه من كان عنده علم الكتاب و إلّا لكان إنزاله عبثا.
نعم درجات الناس بحسب العقول متفاوتة كما مرّ فيما ذكر من الخبر. فلا جرم حظوظهم من آيات كتاب اللّه مختلفة كتفاوت أغذية الناس و الأنعام ممّا تنبت في الأرض من سائر الطعام.
فلطائفة منها القشور، كالتبن و النخالة، و لطائفة اللبوب و الأدهان كالحبّ من الحنطة و الدهن من الزيتون مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ [٧٩/ ٣٣].
و الحجّة لنا في هذا المقصد من الآيات و الأخبار كثيرة: أما الآيات:
فمنها قوله: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [٤٧/ ٢٤] أمرهم بالتدبّر في معاني القرآن، و لو كانت غير مفهوم لما أمرهم بالتدبّر فيه.
و منها قوله وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [٢٦/ ١٩٢- ١٩٥] فلو لم يكن مفهوما بطل كونه صلى اللّه عليه و آله منذرا به.
و أيضا فقوله بلسان عربيّ مبين. يدلّ على أنه نازل بلغة العرب، و إذا كان كذلك وجب أن يكون مفهوما.
و منها قوله لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [٤/ ٨٣] و الاستنباط منه لا يمكن إلّا مع الإحاطة بمعناه.
و منها قوله: تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [١٦/ ٨٩] و قوله: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ [٦/ ٣٨] و قوله: هُدىً لِلنَّاسِ [٢/ ١٨٥] هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [٢/ ٢] و غير المعلوم لا يكون هدى.