تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦ - الركن الرابع في المستعاذ منه
لوازم خيريّته المطلقة الصادرة منه بالقصد الأول. و أوّل الموجودات الصادرة منه هو عالم أمره و قضائه و ليس فيه شرّ أصلا كما مرّ اللّهم إلّا ما صار مخفيّا تحت سطوع النور الأوّل. و هي الكدورة اللازمة لماهيّات الممكنات، الناشئة من قصور هويّاتها الوجودية عن الهويّة الإلهية ثم بعد ذلك تتأدّى الأسباب بمصادماتها إلى شرور لازمة عنها بحسب نفوذ قضائه الأول في قدره اللاحق. فلذلك قال: من شرّ ما خلق. فجعل الشرفي ناحية الخلق و التقدير جملة لأن عالم الأمر خير كلّه كما مرّ فأمر نبيّه بالاستعاذة من موجودات عالم الأجسام على الجملة.
ثمّ عمد إلى ما هو أخصّ منها في الشرية و أمر نبيّه بالاستعاذة منه و قال مِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ و المراد به مبادي الشرور الداخلة في بدن الإنسان من الغواسق الجسمانية و القوى الظلمانية فإن النفس الإنسانية النطقية خلقت في جوهرها نقيّة صافية قابلة لأنوار الحقائق و صورها الحقّة، منزّهة عن الكدورات المادية كما علمت و تلك اللطافة و الأنوار لا تزول عنها إلا بهيئات ترتسم في جوهرها من مقارنة هذه القوى الداخلة في مادة بدنها، فيكون تلك الظلمة متجددة عليها من هذه الغواسق الظلمانية.
ثم لما ذكر ذلك أولا عقّب ذكرها بما هو أخصّ منها في الشرية و هي القوى النباتية بخصوصها فقال: من شرّ النفّاثات في العقد. فان هذه القوى و هي من سدنة ميكائيل موكّلة لتدبير البدن و نشؤه و نموّه و ارتزاقه و اغتذائه. و البدن عقدة حصلت من انعقاد بين العناصر المختلفة المتداعية إلى الانفكاك و النفّاثات فيها الموجبة لازدياد مقدارها هي القوى النباتية، لأن النفث سبب لأن يصير جوهر الشيء زائدا في المقدار في جميع جهاته ثمّ أشار إلى القوى الحيوانية بقوله: و من شرّ حاسد إذا حسد. فإن أصل الحسد إنما ينبعث من النزاع الحاصل بين القوى الحيوانية البدنية الموجبة للغلبة و الرياسة و الشهوة و بين النفس الناطقة المدركة لعواقب الأمور.