تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٥٦ - مكاشفة اخرى مظاهر الرحمة و الغضب
و آخر من بقي هم الذين ما عملوا خيرا قط لا من جهة الايمان و لا بإتيان مكارم الأخلاق غير انّ العناية سبقت لهم أن يكونوا من أهل تلك الدار (و هم من أهل الدار الذين هم أهلها. فغلّقت الأبواب-) [١] و أطبقت النار وقع اليأس من الخروج فحينئذ تعمّ الراحة لأهلها (الرحمة- المصدر) لأنّهم قد يئسوا من الخروج منها كما يئس الكفّار من أصحاب القبور.
و قد جعلهم على مزاج يصلح ساكن تلك الدار فلما يئسوا فرحوا فنعيمهم هذا القدر و هو أول نعيم يجدونه و حالهم فيها كما قدمنا بعد فراغ مدّة الشقاء، انّهم يستعذبون العذاب فيزول الآلام و يصير العذاب عذبا كما يستحلى صاحب الجرب من يحكّه، هذا ما أدّى إليه نظر صاحب المشرب الختمي و المقام الجمعى حيث ذكر بعد ما نقلناه من مكاشفاته فافهم نعيم كل دار تستعذبه إنشاء اللّه.
ألا ترى صدق ما قلناه
النار لا تزال متألّمة لما فيها من النقص و عدم الامتلاء حتّى يضع الجبّار قدمه فيها كما ورد في الحديث [٢]
و هي إحدى تينك القدمين المذكورتين في الكرسي.
و الاخرى التي مستقرّها الجنّة قوله وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ و الاسم «الربّ» مع هؤلاء و «الجبار» مع هؤلاء الآخرين. لأنها دار جلال و جبروت و هيبة و الجنّة دار جمال و انس و منزل إلهى لطيف و هما بإزاء القبضتان المذكورتان في الحديث القدسي [٣] الواحدة لأهل النار و لا يبالى و الآخرة لأهل الجنّة و لا يبالى لأن مآلهما إلى الرحمة الواسعة.
و لو كان الأمر كما يتوهّمه من لا علم له من عدم المبالاة ما وقع الأمر بالجرائم و الحدود
[١] كذا في المخطوطة و في المصدر: «و بقي أهل هذه الدار الاخرى فيها فغلقت أبواب الدار ...» و ما نقله المصنف هنا و كتابه الاسفار الاربعة (ج ٩ ص ٣٥٨) ملخص مما جاء في الباب الرابع و السبعون و ثلاثمائة من الفتوحات المكية (ج ٣ ص ٤٦٢) و لم نتعرض للفروق، فراجع ان شئت فانه أوضح مما في هنا.
[٢] الدر المنثور: ٦/ ١٠٧
[٣] المسند: ٥/ ٦٨ و ٢٣٩