تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٥٥ - مكاشفة اخرى مظاهر الرحمة و الغضب
إلى ما ظهر عنه فهذا أصل شفعيّة العالم فتدلّت إلى الكرسي القدمان حتّى انقسمت فيه الكلمة الروحانيّة لأنه الثاني بعد العرش في الصورة و الشكل فيه حصل شكلان ١٩٥ في جسم العالم الطبيعي فتدلّت اليه القدمان فاستقرّت كلّ قدم في مكان فسمّى المكان الواحد جنّة ١٩٦ و الآخر جهنّما. و ليس بعدهما مكان ينتقل اليه هاتان القدمان و هما لا يستمدّان إلّا من الأصل الذي ظهرتا منه و هو الرحمن فلا يعطيان إلّا الرحمة، فإن النهاية يرجع إلى البداية بالحكمة غير أن بين البداية و النهاية طريقا و إلّا لم يكن بدؤ و لا نهاية و السفر مظنّة التعب و الشقاء و اللغوب فهذا سبب ظهور ما ظهر في العالم دنيا و آخرة و برزخا من الشقاء. و عند انتهاء الاستقرار يلقى عصى التسيار و يقع الراحة في دار القرار و البوار.
و لاحد أن يقول: فكان ينبغي عند الحلول في الدار الواحدة المسمّاة نارا أن يوجد الراحة و ليس الأمر كذلك.
فيقال له: صدقت و لكن فاتك النظر التمام، و ذلك انّ المسافرين على نوعين مسافر يكون سفره مما هو فيه مترفها من كونه محبوبا مخدوما حاصلا له جميع أغراضه في محفّة محمولة على أعناق الرجال محفوظا عن تغير الأهواء فهذا مثله في الوصول إلى المنزل مثل أهل الجنّة في الجنّة.
و مسافر يقطع الطريق على قدميه قليل الزاد ضعيف المؤنة، إذا وصل إلى المنزل بقيت معه بقيّة التعب و المشقّة زمانا حتى يذهب عنه ثمّ يجد الراحة، فهذا مثل من يتعذّب و يشقى في النار التي منزله ثمّ تعمّه الراحة التي وسعت كلّ شيء.
و مسافر بينهما ليست له رفاهيّة صاحب الجنّة و لا عذاب صاحب النار التي منزله فهو بين راحة و تعب، فهي الطائفة التي يخرج من النار بشفاعة الشافعين و بإخراج أرحم الراحمين.
و هم على طبقات بقدر ما يبقى عنهم من التعب فيزول في النار شيئا فشيئا فإذا انتهت مدّته خرجت إلى الجنة و هو محلّ الراحة.