تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٥٣ - مكاشفة اخرى مظاهر الرحمة و الغضب
و لو لا سبق الرحمة الغضب كان الأمر أشدّ فكما ان حظّهم من النعيم أشدّ فكذا في الطرف الآخر ١٨٤، لكن في الدنيا لأن هذه النشاة هي الظاهرة بأحكام حضرة الإمكان المقتضية للنقائص و الآلام و لذا
قال [١]: نحن معاشر الأنبياء أشدّ الناس بلاء في الدنيا.
و من بعث رحمة للعالمين فدى بنفسه- في الأوقات الشديدة كالغزوات المقتضية عموم العقوبة لسلطنة الغضب- ضعفاء الخلق.
و كذا
نبّه على هذا السرّ صلّى اللّه عليه و آله أهل الذوق الأتمّ لما رأى جهنّم و هو في صلاة الكسوف يتّقى حرّها عن وجهه و ثوبه و يتأخّر عن مكانه ١٨٥ و يتضرّع و يقول [٢]: أ لم تعدني يا ربّ إنّك لا تعذّبهم و أنا فيهم؟ ألم ألم حتّى حجبت عنه فأفهم و اغتنم.
١٨٦ و أهل النار إنّما يدخلونها بالجاذب و السائق و الجاذب إلى النار المناسبة الواقعة بينها و بين أهلها، و السائق لهم هو الشيطان، كما إنّ الجاذب لأهل الجنّة إلى الجنّة المناسبة بينهما و السائق لهم الملك. فالوعد و الوعيد كلاهما شاملان لكلّ العبيد و فيه سرّ
قوله صلى اللّه عليه و آله [٣]: حفّت الجنّة بالمكاره و حفّت النار بالشهوات.
بل الجنّة نفس المكاره عند من كره لقاء اللّه و كره اللّه لقائهم. و النار مبدأ الشهوات و صورتها الاخرويّة لمن يستحقّها و هي نعيمهم كما إنّ الجنة نعيم أهلها. و يملأ اللّه جهنّم بغضبه المشوب و قضائه و يملأ الجنّة برحمته المشوبة و رضاه فيعمّ رحمة الوجود و يبسط النعمة فيكون الخلق كما هم في الدنيا كلّ حزب بما لديهم فرحون لأنهم أفعاله الصادرة منه.
و
قد ورد في الخبر [٤] إنّ اللّه جميل يحبّ الجمال و هو صانع العالم و أوجده على
[١] مضى ما يقرب منه آنفا.
[٢] راجع جامع الأصول: باب صلاة الكسوف: ٧/ ١١٩.
[٣] مسلم: كتاب الجنة ١٧/ ١٦٥. و رواه البخاري بلفظ: «حجبت ...» كتاب الرقاق ٨/ ١٢٧.
[٤] المسند: ٤/ ١٣٣.