تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٥٢ - مكاشفة اخرى مظاهر الرحمة و الغضب
أرجح لكونها ذاتيّة و الغضب عارض لقصور الممكن لإمكانه عن قبول النور الأتمّ.
و إليه الإشارة في
قول أمير المؤمنين عليه السلام [١]: سبحان من اتّسعت رحمته لأوليائه في شدة نقمته و اشتدّت نقمته لأعدائه في سعة رحمته.
و كذا الوعد و الإيعاد شامل للكلّ إذ وعده في الحقيقة عبارة عن إيصال كلّ واحد منّا إلى غايته و كماله المعيّن له أزلا، فكما انّ الجنّة موعود بها كذلك النار.
و وعيده هو العذاب الذي يتعلّق بالاسم المنتقم. فأهل الجنّة إنما يدخلونها بالايعاد و الابتلاء بأنواع المصائب و المحن. كما
ورد في الخبر عنه صلّى اللّه عليه و آله [٢]: أشدّ الناس بلاء في الدنيا الأنبياء ثمّ الأولياء، ثمّ الصالحون، ثمّ الأمثل فالأمثل.
و
قال أيضا [٣]: ما اوذي نبيّ مثل ما أوذيت.
ثمّ فوق هذا سرّ عزيز جدّا قلّما يوجد له ذائقا و هو انّ الكمّل من أهل اللّه كالأنبياء و الأولياء و من شاركهم في بعض صفات الكمال إنّما امتازوا عن من سواهم أولا بسعة الدائرة الوجوديّة ١٨١ و صفاء جوهر الروح و الاستيعاب الذي هو من لوازم الجمعيّة كما نبّهت عليه في حقيقة الإنسان الكامل الذي هو برزخ الحضرتين و مرآتهما، و حضرة الحق مشتملة على جميع الأسماء و الصفات بل هي منبع لسائر النسب و الإضافات ١٨٢ و الغضب من امّهاتها و المحاذاة الشريفة الصفاتية إنّما قامت بين الغضب و الرحمة.
فمن ظهر ١٨٣ بصورة الحضرة الجمعيّة بتمامها و كانت ذاته مرآة كاملة لا بدّ و أن يظهر فيها كلّ ما اشتملت الحضرة، و ما اشتمل عليه الإمكان على الوجه الأتمّ الأشرف فلا جرم وقع الأمر كما مرّ من سرّ قوله: ما اوذي نبيّ مثل ما أوذيت. و ما يجرى مجرى ذلك.
[١]
في نهج البلاغة (الخطبة ٨٨): هو الذي اشتدت نقمته على أعدائه في سعة رحمته، و اتسعت رحمته لأوليائه في شدة نقمته.
[٢] الجامع الصغير: ١/ ٤٢.
[٣]
في الجامع الصغير (٢/ ١٤٤): ما أوذي احد ما أوذيت.