تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣٨ - قوله جل اسمه سورة الفاتحة(١) آية ٧
مقدّم الدماغ كصاحب القصص و الكتب للملك فيأخذها و هي مختومة إذ ليس له إلّا أخذها و حفظها و أما حقائق ما فيها فلا. و لكن الملك يسلم إليه هذه الانهاآت مختومة فيفتحها و يطلّع منها على أسرار المملكة و يحكم فيها بأحكام عجيبة لا يمكن استقصاؤها في هذا المقام و بحسب ما يلوح له يحرك الجنود.
فهذه سياقة نعمة اللّه عليك في الإدراكات و لا يمكن استيفاؤها و ما يتوقّف عليها من الأسباب فإنّ الحواسّ الظاهرة بعض المدارك و البصر واحد من جملتها و العين آلة واحدة لها و قد ركّبت على عشر طبقات مختلفة بعضها رطوبات و بعضها أغشية و بعض تلك الأغشية كأنّها نسج العنكبوت و بعضها كالمشيمة و بعض تلك الرطوبات كبياض البيض و بعضها كأنه الجمد و لكل منها صفة و صورة و هيئة و شكل و تدوير، و لكل منها أمساح و أجزاء و قوى و كيفيات لكل منها أحكام من الصحّة و المرض و السلامة و الآفة لا يعلمها إلّا اللّه.
و لو اختلّت طبقة واحدة بل شيء من أسبابها لاختلّ البصر و عجز عنه الأطباء و الكحّالون.
و قد صنّف في تشريح العين مجلدات كثيرة مع انّ حجمها لا يزيد على جوزة صغيرة و أعجب من هذا دخول الأفلاك و طبقاتها و ما تحويه من جملة العناصر في هذه الجوزة الصغيرة من غير أن يتضايق و لا يتصاغر ذلك الكبير و يتعاظم هذا الصغير، و قس بما ذكر حاسّة السمع و سائر الحواسّ الظاهرة و لا نسبة لها في الصنع و الحكمة إلى الحواسّ الباطنة كما لا نسبة للباطنة إلى العقل الذي هو وراء كلّها.
فهذه نعم اللّه في أسباب الإدراك فقس عليها حال نعم اللّه في خلق أسباب التحريك الذي هو قرين الإدراك في كلّ نفس كما قال تعالى وَ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ فالسائق هو مبدأ مبادي الإدراك و الشهيد هو مبدأ مبادي التحريك. فإنّك بعد خلق