تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣٦ - قوله جل اسمه سورة الفاتحة(١) آية ٧
جعفر بن محمّد، عن جده عليهم السلام. قال: دعا سلمان أبا ذر رحمة اللّه عليهما إلى منزله فقدّم إليه رغيفين فأخذ أبو ذر الرغيفين يقلّبهما فقال سلمان: يا أبا ذر لأيّ شيء تقلّبهما؟
قال: خفت ألّا يكونا نضيجين. فغضب سلمان من ذلك غضبا شديدا ثم قال: ما أجرأك حيث تقلّب هذين الرغيفين. فواللّه لقد عمل في هذا الخبز الماء الذي تحت العرض و عملت فيه الملائكة حتى ألقوه إلى الريح و عملت فيه الريح حتّى ألقته إلى السحاب و عمل فيه السحاب حتّى أمطره إلى الأرض و عمل فيه الرعد و الملائكة حتّى وضعوه مواضعه و عملت فيه الأرض و الخشب و الحديد و البهائم و النار و الحطب و الملح و ما لا أحصيه أكثر فكيف لك أن تقوم بهذا الشكر؟ فقال أبو ذر: إلى اللّه أتوب و أستغفر اللّه مما أحدثت و إليك اعتذر مما كرهت.
فهذا من نعم اللّه في خلق الأسباب لأجل غذاء النبات و لا يخفى إنّ ما ذكرناه بعض من أسباب غذائه الجليّة منها إذ قد طوينا ذكر تفاصيل القوى النباتيّة الباطنة عن الأبصار، كالغاذية مع فروعها- من الجاذبة و الماسكة و الهاضمة و الدافعة- و كالنامية مع خدمها و المولّدة مع جنودها و لو أحقها. و لكلّ منها مواضع و أسباب و ملائكة يسخّره و يحرّكه لأجل فعله المخصوص لو أردنا ذكرها لأدّى إلى التطويل قبل حصول الاستقصاء فيها فلننصرف عن ذكرها و لنذكر شيئا من نعمة تعالى في خلق الأسباب الموصلة للأطعمة إلى جوف الإنسان.
فمنها الإدراك و الحركة فمن نعم اللّه عليك أن خلق لك آلة الإحساس و آلة الحركة في طلب الغذاء فانظر إلى ترتيب حكمته في خلق الحواسّ الخمس التي هي آلة للإدراك فأولها حاسّة اللمس التي هي تعمّ الحيوانات لكونها واقعة في عالم الأضداد فيقع بها الاحتراز عن الحرّ الشديد و البرد الشديد مثلا و خصوصا في الأكل و هذه لا يكفى لاقتصار إدراكها على القريب و لا تقدر بها على طلب الغذاء من حيث يبعد عنك.