تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣١ - قوله جل اسمه سورة الفاتحة(١) آية ٧
و للهدى ثلاث مراتب:
الاولى معرفة طريق الخير و الشرّ المشار إليه بقوله تعالى وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [٩٠/ ١٠] و قد أنعم اللّه به على كافّة الخلق بعضه بالعقل و بعضه على لسان الكتب و الرسل و لذلك قال: وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [٤١/ ١٧] فأسباب الهدى هي الكتب و الرسل و بصائر العقول و هي مبذولة للجميع و لهذا كلّفوا بتكليف واحد ١٦١ و تساووا في أسباب سلوك طريق النجاة بهذه الهداية العامّة.
المرتبة الثانية هي التي يمدّ اللّه بها العبد حالا بعد حال و هي ثمرة المجاهدة ١٦٢ ١٦٣ حيث قال: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [٢٩/ ٦٩] و هو المراد بقوله وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [٤٧/ ١٧].
و المرتبة الثالثة وراء الثانية و هي النور الذي يشرق في عالم الولاية ١٦٤ بعد كمال المجاهدة فيهتدى بها إلى ما لا يهتدى إليه بالعقل الذي يحصل به التكليف و إمكان تعلّم العلوم، و هو الهدى المطلق. و ما عداه حجاب له و مقدمات و هو الذي شرّفه اللّه تعالى بتخصيص الإضافة إليه و إن كان الكلّ من جهته فقال: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى [٢/ ١٢٠] و هو المسمّى حيوة في قوله أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [٦/ ١٢٢] و بقوله: أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [٣٩/ ٢٢].
و وجه انحصار مراتب الهدى في الثلث انّ كلّ مقام من مقامات الايمان و منزل من منازل السالكين ينتظم من امور ثلثة: أعمال و أحوال و أنوار أي هي معارف ١٦٥ و لا بدّ لكلّ منها من هداية ١٦٦ يخصّ به.
و أما الرشد فيعنى به العناية الإلهيّة التي يعين الإنسان عند توجّهه إلى مقاصده فيقويه على ما فيه صلاحه و يفتّره عمّا فيه فساده و يكون ذلك من جانب الباطن كما قال تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا بِهِ عالِمِينَ [٢١/ ٥١] فالرشد عبارة