تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٠ - الركن الثاني في المستعاذ به
موجودات مقدسة روحانية أمريّة هي وسائط بين اللّه و بين الأكوان الخلقية، و بها نفاذ علمه و قدرته و سريان مشيته و إرادته في الكائنات بحيث يستحيل أن يعرض له مانع أو عائق.
و قد مر في المفاتيح إن كلامه الأمري واجب الامتثال، و أمره التكويني حتميّ القبول لازم السمع و الطاعة، و لا شك إنه لا يحسن الاستعاذة باللّه إلا لكونه حكيما متقنا في الأفعال، نافذ المشيّة قاهرا في الأقوال و إنما وقع الاستعاذة بكلمات اللّه التي هي من عالم الأمر و النور من الشرور، لأنها بريئة من كل شر و قصور و آفة و دثور، بخلاف ما في عالم الخلق فإن الأجسام و ما يتعلق بها ممنوّة بالآفات و الشرور فوجب الاستعاذة من شرّ ما خلق بما في عالم الأمر.
فقوله عليه السلام: أعوذ بكلمات اللّه التامات كلّها من شرّ ما خلق استعانة من الأرواح البشرية بالأرواح العالية المقدسة في دفع شرور الأرواح الخبيثة الظلمانية الكدرة.
و الدليل على أن المراد بكلمات اللّه هي الوجودات العقلية المحضة الإلهيةّ إنّها قد وصفت بالتامّات فإنّ الموجود إما ناقص أو مستكف أو تامّ أو فوق التمام فالأول هو كالأجسام و ما يحلّها. و المستكفي كالنفوس الفلكية و نفوس الأنبياء عليهم السلام ما داموا في هذه العالم حيث انّها لم يفتقر في كمالها إلى سبب خارج عن مقوّم ذاتها. و التامّ هو كالعقول المفارقة، حيث لم يكن لها كمال مرتقب و تمام منتظر، و إنّما تمام كل منها معه و غايته لا يفارقه و هو مبدعها و منشئها و المتكلم بها. فاللّه جلّت و عظمت كلمته فوق التمام و غاية الغاية إذ به تمام كل شيء و حيوة كل حيّ و نور كل ذي ضوء و فيء و دواء كل مرض و عيّ.
و هاهنا دقيقة و هي إنّ الجسمانيات- جواهرها و أعراضها القارة و غيرها و طبائعها و آثارها الطبيعية- لا تكون حدوثها إلّا تدريجيا شيئا فشيئا. كالحركة التي هي الخروج من القوة إلى الفعل يسيرا يسيرا فأما الإبداعيات فإنما يحصل تكوّنها و خروجها إلى الفعل دفعة كما قال وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [٥٤/ ٥٠] و متى كان الأمر كذلك