تلخيص المحصل - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٤٧٧ - افعال العباد بين الجبر و التفويض
افعال العباد بين الجبر و التفويض
بسم اللّه الرحمن الرحيم
أفعال العباد تنقسم إلى ما يكون تابعا لقدرته و إرادته، و إلى ما لا يكون.
مثال الأوّل: الأكل و المشى من الانسان الصحيح الّذي لم يكره على هذين الفعلين. و مثال الثانى: حركة الانسان إلى السفل إذا وقع من موضع عال.
و القدرة يراد بها سلامة آلات الفعل من الأعضاء. و يراد بها الحالة التى يكون الانسان عليها وقت صدور الفعل عنه. و الأوّل يكون قبل الفعل و معه، و هذه هى القدرة عند المعتزلة. و الثانى لا يكون إلّا مع الفعل، و هى القدرة عند الأشعرى. و لا شكّ أنّ القدرة بالوجهين لا يكون مقدورا للعبد، بلى ربما يكون أسبابه، كالتغذّى و التداوى المقتضيين لسلامة الأعضاء، مقدورا له.
و أمّا الإرادة فسببها إمّا العلم بالمصلحة، و إمّا الشهوة، و إمّا الغضب. و لا يكون واحد منها إلّا عند الشعور، و الشعور أيضا لا يكون مقدورا للعبد، و ربّما كان بعض أسبابه مقدورا له.
و أمّا عند حصول القدرة و الداعى يجب الفعل أم لا. فالحقّ أنّه يجب، و إلّا لزم رجحان أحد طرفى الفعل و تركه من غير مرجّح. و هذا الوجوب لا يخرج الفعل عن حدّ الاختيار، لأنّ معنى الاختيار هو أن يكون الفعل و الترك بإرادة الفاعل، فيختار منهما أيّهما أراد. و هاهنا لزم الفعل من القدرة و الإرادة.
فاذا نظرنا إلى أسباب القدرة و الإرادة كان في الأصل من اللّه، و عند وجودهما الفعل واجب، و عند عدمهما ممتنع. و إذا نظرنا إلى الفعل كان من العبد بحسب قدرته و إرادته، فلهذا قيل: «لا جبر و لا تفويض بل أمر بين الامرين». فاذن الاختيار حقّ، و الاسناد إلى اللّه حقّ، و لا يتمّ الفعل بأحدهما دون الآخر.