تلخيص المحصل - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٣٥٦ - مسألة محمد رسول الله خلافا لاهل الذمة و الدهرية
في المسجد، و كلّما دخل المؤذّن و اذّن قام ذلك الانسان و خرج، فقال له المؤذّن ما لي اراك كلّما اذّنت خرجت، فقال: لا، بل كلّما هممت بالخروج اذّنت. و هذا يدلّ على انّ دلالة الدوران على العليّة ضعيفة. ثمّ إن سلّمنا دلالة ذلك الفعل على التصديق، فلم قلت: إنّه في حقّ اللّه تعالى كذلك، و ستعرف انّ القياس المؤيّد الجامع لا يفيد إلّا الظنّ، فكيف هذا القياس الخالى عن الجامع. فهذا هو الاعتراض على الدليل الأوّل على النبوّة.
أمّا الدليل الثانى، و هو الاستدلال بمحاسن أحواله على نبوّته، فضعيف.
لأنّ غاية ما في الباب أنّه يدلّ على كون ذلك الانسان متميزا عن سائر الناس بمزيد الفضيلة، و لكن من أين يدلّ على النبوّة، و كيف و قد حكى عن أفاضل الحكماء في الأخلاق أمور عجيبة يجعلها الناس قدوة لأنفسهم في الدنيا و الآخرة، مع ما بقى عنهم من العلوم الدقيقة.
و أمّا الدليل الثالث، و هو الاستدلال بما جاء في التوراة و الإنجيل على نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله. فالاعتراض: أنّكم إمّا أن تقولوا: إنّه جاء في هذه الكتب صفة محمّد صلّى اللّه عليه و آله على سبيل التفصيل بمعنى أنّه تعالى بيّن أنّه سيجيء في السنة الفلانيّة رجل في البلدة الفلانيّة و صفته كذا و كذا، فاعلموا أنّه نبىّ و إمّا أن لا تقولوا كذلك، بل تقولوا: إنّه تعالى بيّن ذلك بيانا مجملا من غير تعيين الزمان و المكان و الوصف.
فان ادّعيتم الأوّل فهو باطل، لأنّا نجد التوراة و الإنجيل خالية عنه. لا يقال:
اليهود و النصارى حرّفوا هذين الكتابين. لأنا نقول: هذان كتابان مشهور ان في المشارق و المغارب، و مثل هذا لا يتطرّق التحريف إليه، كما في القرآن. و إن ادّعيتم الثانى فبقدير المساعدة عليه لا يدلّ على النبوّة، بل إنّما يدلّ على ظهور انسان فاضل شريف. و إن دلّ على النبوّة لكن لا يدلّ على نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله، إذ ربّما كان المبشّر به إنسانا آخر.
أقول: هذا الّذي ذكره كلّه بمنزلة شبه السوفسطائيّة، فانّ اليقين