المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩٩
و المساكين و ابن السبيل؟ فيقول: لا يا ربّ كسبت في حلال و أنفقت في حلال و لم اضيّع شيئا ممّا افترضته عليّ و لم أختل و لم أباه و لم اضيّع حقّ أحد أمرتني أن أعطيه، قال: فيجيء أولئك فيخاصمونه فيقولون: يا ربّ أعطيته و أغنيته و جعلته بين أظهرنا و أمرته أن يعطينا، فإن كان أعطاهم و ما ضيّع مع ذلك شيئا من الفرائض و لم يختل في شيء فيقال: قف الآن هات شكر كلّ نعمة أنعمتها عليك من أكلة أو شربة أو لقمة أو لذّة فلا يزال يسأل»[١]ويحك فمن الّذي يتعرّض لهذه المساءلة الّتي كانت لهذا الرّجل الّذي يتقلّب في الحلال و قام بالحقوق كلّها و أدّى الفرائض بحدودها حوسب بهذه المحاسبة فكيف تراه يكون حال أمثالنا الغرقى في فتن الدّنيا و تخاليطها و شبهاتها و شهواتها و زينتها، ويحك لأجل هذه المساءلة يخاف المتّقون أن يتلبّسوا بالدّنيا فرضوا بالكفاف منها و عملوا بأنواع البرّ من كسب المال فلك ويحك بهؤلاء الأخيار أسوة، فإن أبيت ذلك و زعمت أنّك بليغ في الورع و التقوى و لم تجمع المال إلّا من حلال بزعمك للتعفّف و البذل في سبيل اللّه، و لم تنفق شيئا من الحلال إلّا بحقّ، و لم يتغيّر بسبب المال قلبك عمّا يحبّ اللّه، و لم تسخط اللّه في شيء من سرائرك و علانيتك، ويحك فإن كنت كذلك- و لست كذلك- فقد ينبغي لك أن ترضى بالبلغة و تعتبر بذوي الأموال إذا وقفوا للسؤال و تسق مع الرعيل الأوّل في زمرة المصطفى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا حبس عليك للمساءلة و الحساب فإمّا سلامة و إمّا عطب فإنّه بلغنا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «يدخل صعاليك المهاجرين الجنّة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام»[٢]يا قوم فاستبقوا السباق مع المخفّفين في زمرة المرسلين و كونوا وجلين من التخلّف و الانقطاع عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما وجل المتّقون، ويحك فإن تخلّفت في القيامة عن المصطفى لتنظرنّ إلى أهوال جزعت منها الملائكة و الأنبياء، و لئن قصرت عن السباق فليطولنّ عليك اللّحاق، و لئن أردت الكثير
[١] قال العراقي: لم أقف له على أصل.
[٢] أخرجه الترمذي ج ٩ ص ٢١٣ و ابن ماجه تحت رقم ٤١٢٣ و ٢٤ من حديث أبي سعيد و ابن عمر بلفظ «فقراء» مكان «صعاليك».
المحجة