المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١٧
التصنيف إنّما يرجع إلى المصنّف و اللَّه عالم بأنّه هو المصنّف لا من ادّعاه و لعلّه في تصنيفه لا يخلو من الثناء على نفسه إمّا صريحا بالدّعاوي الطويلة العريضة، و إمّا ضمنا بالطعن في غيره ليستبين من طعنه في غيره أنّه أفضل ممّن طعن فيه و أعظم منه علما و لقد كان في غنية عن الطعن فيه و لعلّه يحكي من الكلام المزيّف ما يريد تزييفه فيعزيه إلى قائله و ما يستحسنه فلعلّه لا يعزيه إليه ليظنّ أنّه من كلامه فينقله بعينه كالسارق له أو يغيّره أدنى تغيير كالّذي يسرق قميصا فيتّخذه قباء حتّى لا يعرف أنّه مسروق و لعلّه يجتهد في تزيين ألفاظه و تسجيعها و تحسين نظمها كيلا ينسب إلى الرّكاكة و يرى أنّ غرضه ترويج الحكمة و تحسينها و تزيينها ليكون أقرب إلى نفع الناس. و عساه غافل عمّا روي أنّ بعض الحكماء وضع ثلاثمائة و ستّين مصحفا في الحكمة فأوحى اللَّه إلى نبيّ زمانه قل له: قد ملأت الأرض نفاقا و إنّي لا أقبل من نفاقك شيئا. و لعلّ جماعة من هذا الصنف من المغترّين إذا اجتمعوا ظنّ كلّ واحد بنفسه السّلامة عن عيوب القلوب و خفاياها، فلو افترقوا و أتبع كلّ واحد منهم فرقة من أصحابه نظر كلّ واحد إلى كثرة من يتبعه و أنّه أكثر تبعا أم غيره فيفرح إن كان أتباعه أكثر و إن علم أنّ غيره أحقّ بكثرة الأتباع منه حسده، ثمّ إذا تفرّقوا و اشتغلوا بالإفادة تغايروا و تحاسدوا و لعلّ من يختلف إلى واحد منهم إذا انقطع عنه إلى غيره ثقل على قلبه و وجد في نفسه نفرة منه فبعد ذلك لا يهتزّ باطنه لإكرامه و لا يتشمّر لقضاء حوائجه كما كان يتشمّر من قبل و لا يحرص على الثناء عليه كما أثنى من قبل مع علمه بأنّه مشغول بالاستفادة، و لعلّ التحيّز منه إلى فئة أخرى كان أنفع له في دينه لآفة من الآفات كانت تلحقه في هذه الفئة و سلامته منها في تلك الفئة و مع ذلك فلا تزول النفرة عن قلبه، و لعلّ واحدا منهم إذا تحرّكت فيه مبادي الحسد لم يقدر على إظهاره فيعلّل بالطّعن في دينه و في ورعه ليحمل غضبه على ذلك و يقول: إنّما غضبت لدين اللَّه لا لنفسي، و مهما ذكرت عيوبه بين يديه ربّما فرح به، و إن أثنى عليه ربّما ساءه و كرهه، و ربّما قطب وجهه إذا ذكر عيوبه يظهر أنّه كاره لغيبة المسلمين و سرّ قلبه راض به و مريد له، و اللَّه
المحجة