المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩٠
(بيان ترك الطاعات خوفا من الرّياء و دخول الافات)
اعلم أنّ من الناس من يترك العمل خوفا من أن يكون مرائيا به و ذلك غلط و موافقة للشيطان بل الحقّ فيما يترك من الأعمال و ما لا يترك لخوف الآفات ما نذكره: و هو أنّ الطاعات تنقسم إلى ما لا لذّة في عينها كالصلاة و الصوم و الحجّ و الغزو فإنّها مقاساة و مجاهدات، و إنّما تصير لذيذة من حيث أنّها توصل إلى حمد الناس، و حمد الناس لذيذ، و ذلك عند اطّلاع الناس عليه و إلى ما هو لذيذ و هو أكثر ما لا يقتصر على البدن بل يتعلّق بالخلق كالخلافة و القضاء و الولايات و الحسبة و إمامة الصلاة و التذكير و التدريس و إنفاق المال على الخلق و غير ذلك ممّا تعظم الآفة فيه لتعلّقه بالخلق و لما فيه من اللّذّة.
القسم الأوّل: الطاعات اللّازمة للبدن
الّتي لا تتعلّق بالغير و لا لذّة في عينها كالصلاة و الصوم و الحجّ فخطرات الرّياء فيها ثلاث:
إحداها ما يدخل قبل العمل فيبعث على الابتداء لرؤية الناس و ليس معه باعث الدّين، فهذا ممّا ينبغي أن يترك لأنّه معصية لا طاعة فيه، فإنّه تذرّع بصورة الطاعة إلى طلب المنزلة [١] فإن قدر الإنسان على أن يدفع عن نفسه باعث الرّياء و سخت النفس و يقول لها: أ لا تستحيينّ من مولاك لا تسخو بالعمل لاجله و تسخو بالعمل لأجل عباده حتّى يندفع باعث الرّياء و سخت النفس بالعمل للَّه تعالى عقوبة للنفس على خاطر الرّياء و كفّارة عليه ليشتغل بالعمل.
الثانية أن ينبعث لأجل اللّه و لكن يعترض الرّياء مع عقد العبادة و أوّلها، فلا ينبغي أن يترك العمل لأنّه وجد باعثا دينيّا فليشرع في العمل و ليجاهد نفسه في دفع الرّياء و تحصيل الإخلاص بالمعالجة الّتي ذكرناها من إلزام النفس كراهة الرّياء و الإباء عن القبول.
الثالثة أن يعقد على الإخلاص ثمّ يطرأ الرّياء و دواعيه فينبغي أن يجاهد
[١] تذرع بذريعة أي توسل بوسيلة. و ربما يقرء في بعض النسخ [تدرع] بالدال المهملة و درع الرجل في السير أي تقدم. و بالمعجمة أنسب.
المحجة