المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٥
العظيمة بسببها.
اعلم أنّ أهل الدّنيا في غفلتهم مثلهم مثل قوم ركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة فأمرهم الملاّح بالخروج لقضاء الحاجة و حذّرهم المقام و خوّفهم مرور السفينة و استعجالها، فتفرّقوا في نواحي الجزيرة فقضى بعضهم الحاجة و بادر إلى السفينة فصادف المقام خاليا فأخذ أوسع الأماكن و أليقها و أوفقها لمراده، و بعضهم توقّف في الجزيرة ينظر إلى أزهارها و أنوارها العجيبة، و غياضها الملتفّة [١]، و نغمات طيورها الطيّبة و ألحانها الموزونة الغريبة، فصار يلتقط من أحجارها و جواهرها و معادنها المختلفة الألوان و الأشكال، الحسنة المنظر، العجيبة النقوش، السالبة أعين الناظرين بحسن زبرجها و عجائب صورها ثمّ تنبّه لخطر فوات السفينة فرجع إليها فلم يصادف إلّا مكانا ضيّقا حرجا فاستقرّ فيه، و بعضهم أكبّ على تلك الأصداف و الأحجار و أعجبه حسنها و لم تسمح نفسه بإهمالها فاستصحب منها جملة فلم يجد في السفينة إلّا مكانا ضيّقا و زاده ما حمّله من الحجارة ضيقا و صارت ثقلا عليه و وبالا، فندم على أخذها و لم يقدر على رميها و لم يجد مكانا لوضعها، فحملها في السفينة على عنقه و هو متأسّف على أخذها، و ليس ينفعه التأسّف، و بعضهم تولج في الغياض و نسي المركب و بعد من متفرّجه و متنزّهه منها حتّى لم يبلغه نداء الملاّح لاشتغاله بأكل تلك الثمار و التشمّم لتلك الأنوار و التفرّج بين تلك الأشجار و هو مع ذلك خائف على نفسه من السّباع و غير خال من السقطات و النكبات، و لا ينفك عن شوك ينشب بثيابه، و غصن يجرح بدنه، و حسكة تدخل في رجله، و صوت هائل يفزع منه، و عوسج يخرق ثيابه و يهتك عورته، و يمنعه من الانصراف لو أراده، فلمّا بلغهم نداء أهل السفينة انصرف بعضهم مثقلا بما معه و لم يجد في المركب موضعا فبقي على شاطئ البحر حتّى مات جوعا، و بعضهم لم يبلغهم النّداء و سارت السفينة، فمنهم من افترسته السباع و منهم من تاه على وجهه حتّى هلك و منهم من مات في الأوحال [٢] و منهم من
[١] الأنوار جمع نور- بالفتح-: الزهر. و الغياض جمع الغيضة و هي مجتمع الشجر في مغيض الماء.
[٢] جمع الوحل و هو الطين الرقيق.
المحجة