المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٤٩
و قوّة الأعضاء و تناسبها.
الثاني الرّياء بالزيّ و الهيئة
أمّا الهيئة فبتشعيث شعر الرّأس و حلق الشارب و إطراق الرأس في المشي و الهدوء في الحركة و إبقاء أثر السجود على الوجه و غلظ الثياب و لبس الصوف و تشميرها إلى قريب من نصف الساق و تقصير الاكمام و ترك تنظيف الثوب و تركه مخرقا، كلّ ذلك يرائي به ليظهر من نفسه أنّه متّبع للسنّة فيه و مقتد فيه بعباد اللّه الصالحين، و منه لبس المرقّع و الصلاة على السجّادة و لبس الثياب الزرق تشبّها بالصوفيّة مع الإفلاس عن حقائق التصوّف في الباطن.
و منه التقنّع بالإزار فوق العمامة ليري به أنّه انتهى تقشّفه إلى الحذر من غبار الطريق و لتنصرف إليه الأعين بسبب تميّزه بتلك العلامة و منه الدّراعة و الطيلسان يلبسه و هو خال من العلم ليوهم أنّه من أهل العلم.
و المراءون بالزّي على طبقات منهم من يطلب المنزلة عند أهل الصلاح بإظهار الزّهد فيلبس الثياب المخرقة الوسخة القصيرة الغليظة ليرائي بغلظها و قصرها و وسخها و تخرّقها، و لو كلّف أن يلبس ثوبا وسطا نظيفا ممّا كان السلف يلبسه لكان عنده بمنزلة الذّبح و ذلك لخوفه أن يقول الناس: قد بدا له في الزّهد و رجع عن تلك الطريقة و رغب في الدّنيا. و طبقة أخرى يطلبون القبول عند أهل الصلاح و عند أهل الدّنيا من الملوك و التجّار، و لو لبسوا الثياب الفاخرة ردّهم القرّاء و لو لبسوا الثياب المخرقة النازلة ازدرتهم أعين الملوك و الأغنياء، فهم يريدون الجمع بين قبول أهل الدّين و الدّنيا فلذلك يطلبون الأصواف الدّقيقة و الأكيسة الرّقيقة و المرقّعات المصبوغة و الفوط الرّفيعة فيلبسونها، و لعلّ قيمة أثوابهم قيمة ثياب الأغنياء، و هيئته و لونه لون ثياب الصلحاء، فيلتمسون القبول عند الفريقين، و هؤلاء لو كلّفوا لبس ثوب خشن أو وسخ لكان عندهم كالذّبح خوفا من السقوط من أعين الملوك و الأغنياء، و لو كلّفوا لبس ثوب الدّيبقي و الكتّان الرقيق الأبيض أو المقصّب المعلّم و إن كانت قيمته دون قيمة ثيابهم لعظم عليهم خوفا من أن يقول أهل الصلاح: قد رغبوا في زيّ أهل الدّنيا و كلّ طبقة منهم رأى منزلته في زيّ مخصوص فيثقل عليه الانتقال إلى
المحجة