المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٢٦
و من يرتبط به أمره مباح على الإطلاق كيفما كان؟ أو مباح إلى حدّ مخصوص أو على وجه مخصوص؟ فأقول: يطلب ذلك على ثلاثة أوجه، وجهان منها مباح و وجه منها محظور أمّا المحظور فهو أن يطلب قيام المنزلة في قلوبهم باعتقادهم فيه صفة و هو منفكّ عنها مثل العلم و الورع و النسب فيظهر لهم أنّه علويّ أو عالم أو ورع و هو لا يكون كذلك فهذا حرام لأنّه تلبيس و كذب إمّا بالقول و إمّا بالفعل، و أمّا أحد المباحين فهو أن يطلب المنزلة بصفة هو متّصف بها كقول يوسف عليه السّلام: «اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ» [١] فإنّه طلب المنزلة في قلبه بكونه حفيظا عليما و كان محتاجا إليه و كان صادقا فيه، و الثاني أن يطلب إخفاء عيب من عيوبه و معصية من معاصيه حتّى لا يعلمه فلا تزول منزلته به، فهذا أيضا مباح لأنّ حفظ الستر على القبائح جائز و لا يجوز هتك الستر و إظهار القبيح فهذا ليس فيه تلبيس بل هو سدّ لطريق العلم بما لا فائدة في العلم به كالّذي يخفي عن السلطان أنّه يشرب الخمر و لا يلقي إليه أنّه ورع فإنّ قوله: إنّي ورع تلبيس و عدم إقراره بالشرب لا يوجب اعتقاده الورع بل يمنع العلم بالشرب، و من جملة المحظورات تحسين الصلاة بين يديه ليحسن فيه اعتقاده فإنّ ذلك رياء و هو ملبّس إذ يخيّل إليه أنّه من المخلصين الخاشعين للَّه و هو مرائيّ بما يفعله فكيف يكون مخلصا، فطلب الجاه بهذا الطريق حرام و كذا بكلّ معصية و ذلك يجري مجرى اكتساب المال الحرام من غير فرق و كما لا يجوز له أن يتملّك مال غيره بتلبيس في عوض أو في غيره فلا يجوز له أن يتملّك قلبه بتزوير و خداع فإنّ ملك القلوب أعظم من ملك الأموال.
(بيان السبب في حبّ المدح و الثناء) (و ارتياح النفس به و ميل الطباع إليه و بغضها للذم و نفرتها منه)
اعلم أنّ لحبّ المدح و التذاذ القلب به أربعة أسباب
السبب الأوّل و هو الأقوى: شعور النفس بالكمال
فإنّا بيّنّا أنّ الكمال محبوب و كلّ محبوب فإدراكه لذيذ فمهما شعرت النفس بكمالها ارتاحت و اهتزّت و تلذّذت، و المدح يشعر نفس الممدوح
[١] يوسف: ٥٤.
المحجة