المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠٠
لتصيرنّ إلى حساب عسير، و لئن لم تقنع بالقليل لتصيرنّ إلى وقوف طويل و صراخ و عويل، أمّا علمت أنّ ترك الاشتغال بالمال و فراغ القلب بالذكر و التذكار و الفكر و الاعتبار أسلم للدّين و أيسر للحساب و أخفّ للمساءلة و آمن من روعات يوم القيامة و أجزل للثواب و أعلى لقدرك عند اللّه و أروح لبدنك و أقلّ لتعبك و أنعم لعيشك و أرخى لبالك و أقلّ لهمومك، فما عذرك في جمع المال، أنت بترك المال أفضل ممّن طلب المال لأعمال البرّ، نعم شغلك بذكر اللّه أفضل من بذل المال في سبيل اللّه فاجتمع لك راحة العاجل مع السلامة و الفضل في العاجل و بعد فلو كان في جمع المال فضل عظيم لوجب عليك في مكارم الأخلاق أن تتأسى بنبيّك صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ترضى بما اختار لنفسه من مجانبة الدنيا ويحك تدبّر بما سمعت و كن على يقين أنّ السعادة و الفوز في مجانبة الدّنيا فسر مع لواء المصطفى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سابقا إلى جنّة المأوى فإنّه بلغنا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «سادات المؤمنين في الجنّة من إذا تغدّى لم يجد عشاء، و إذا استقرض لم يجد قرضا و ليس له فضل كسوة إلّا ما يواريه و لم يقدر على أن يكتسب ما يغنيه يمسي مع ذلك و يصبح راضيا عن ربّه «فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً»[١]ألا يا أخي فمتى جمعت المال بعد هذا البيان فإنّك مبطل فيما ادّعيت أنّك للبرّ و الفضل تجمعه لا و لكنّك خوفا من الفقر تجمعه و للتنعّم و الزّينة و الفخر و التكاثر و العلوّ و الرّياء و السمعة و التعظّم و التكرّم تجمعه، ثمّ تزعم أنّك لأعمال البرّ تجمع المال ويحك راقب اللّه و استحي من دعواك أيّها المغرور ويحك إن كنت مفتونا بحبّ الدّنيا فكن مقرّا أنّ الخير و الفضل في الرّضا بالبلغة و مجانبة الفضول، نعم و كن عند جمع المال مزريا على نفسك [١]، معترفا بإساءتك، وجلا من الحساب،
[١] الآية في سورة النساء: ٧٠. و الخبر عزاه صاحب مسند الفردوس للطبراني من رواية أبي حازم عن أبي هريرة مختصرا بلفظ «سادة الفقراء في الجنة الحديث» و قال العراقي: و لم أره في معاجم الطبراني.
[١] من أزرى يزرى أي موهنا نفسك.
المحجة البيضاء جلد٦ ١٠١ (بيان ذم الغنى و مدح الفقر) ..... ص : ٩١
المحجة