المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٣
لا حاجة إليه لأمر الآخرة و يعبّر عنه بالهوى و إليه الإشارة بقوله تعالى: «وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى» [١].
و اعلم أنّ مجامع الهوى خمسة أمور و هي ما جمعه اللّه عزّ و جلّ في قوله:
«أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ» [٢] و الأعيان الّتي منها تحصل هذه الأمور الخمسة سبعة يجمعها قوله تعالى: «زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ» [٣] فقد عرفت أنّ كلّ ما هو للَّه، فليس من الدّنيا، و قدر ضرورة القوت و ما لا بدّ منه من مسكن و ملبس فهو للَّه إن قصد به وجه اللّه، و الاستكثار منه تنعّم و هو لغير اللّه و بين التنعّم و الضرورة درجة يعبّر عنها بالحاجة، و لها طرفان و واسطة: طرف يقرب من حدّ الضرورة فلا يضرّ فإنّ الاقتصار على حدّ الضّرورة غير ممكن، و طرف يزاحم جانب التنعّم و يقرب منه و ينبغي أن يحذر، و بينهما وسائط متشابهة «و من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» و الحزم في الحذر و التقوى و التقرّب من حدّ الضّرورة ما أمكن اقتداء بالأنبياء و الأولياء إذ كانوا يردّون أنفسهم إلى حدّ الضّرورة حتّى أنّ اويسا القرنيّ كان يظنّ أهله أنّه مجنون لشدّة تضييقه على نفسه فبنوا له بيتا على باب دارهم فيأتي عليه السنّة و السّنتان و الثلاث ما يرون له وجها و كان يخرج أوّل الأذان و يأتي إلى منزله بعد العشاء الآخرة و كان طعامه أن يلتقط النّوى فكلّما أصاب الحشف خبأها لإفطاره، فإن أصاب ما يقوته من الحشف تصدّق بالنوى و إن لم يصب ما يقوته من الحشف باع النوى و اشترى ما يقوته و كان لباسه ما يلفظ إلى المزابل فيلتقط قطع الأكسية فيغسّلها في الفرات و يلفّق بعضها إلى بعض ثمّ يلبسها و كان ذلك لباسه، و كان ربّما مرّ بالصّبيان فيرمونه و يظنّون أنّه مجنون فيقول لهم: يا إخوتاه إن كنتم ترموني فارموني بأحجار صغار فإنّي
[١] النازعات: ٤٠.
[٢] الحديد: ٢٠.
[٣] آل عمران: ١٤.
المحجة